الخميس، 23 أغسطس 2018

مِنْ هَلْوَسات "ولد علَّال"


محمد بوسلام

***********
مِنْ هَلْوَسات "ولد علَّال"

كانتْ واقِفةً بالمَحَطّة، تَنْتظرُ قدُومَ حافِلَةٍ طالَ انْتِظارُها، انْتِظارَ عانِسٍ لِعَريسِ الْغَفْلَة، لِتَنْقُلها كََكُلِّ يوْمٍ إلى عمَلِها، وقدْ مَيَّزَها قِوامُها الرَّشِيقُ ولِباسُها المُحْتَشِم، بيْنَما كان " ولد عَلَّال" - وكعادَتِه، بِبِدْلَتِه الأنِيقَة، وربْطَة عُنُقِه المُزَرْكَشَة كَزَرْبِيَة"سُوسِيَّة"، كان قد جَلَبَها لهُ خالُه من بِلادِ الرُّوم، تفُوحُ منهُ رائِحَة " بْلُو شَانِيلْ" الرَّاقِية - واقِفا غيْرَ بعيدٍ يُراقِبُها عَنْ كَتَبٍ، وهي تَتَحاشَى الزّحْمة والاخْتِلاط.
ماهي إلا بُرْهَة، حتّى لاحَتْ حافِلةٌ مُتَهالِكَة، تشُقُّ طَريقَها بصُعُوبة، كعَجُوزٍ شَمْطاء، قوَّسَ الدَّهْرُ ظَهْرها، تَجُرُّ وراءَها عِبْءَ سِنِينَ عِجاف ، فأصْبَحتْ تمْشي باسْتِحْياءٍ وعلى جانِبٍ واحِدٍ، كسَلْطَعُونِ بحْرٍ تائِهٍ، تَنْفُثُ دُخانا مُتَصاعٍدا، تَصاعُدَ حريقٍ مُهْوِلٍ شَبَّ بإحْدى عَبَّارات خَفْرِ السَّواحِل، كلَّما اقتَربَتْ، تأجَّجَ عَادِمُها، حتى حَسِبْتَهُ حَفْلةَ شِوَاءٍ لِسَمَكِ السَّرْدِين في إحْدى أسْواقِ مَدينة " آسَفِي" العَتِيقَة.
بالكادِ توقَّفَتْ، تَوقُّفَ حِمارِ الشّيْخِ في العَقَبَة، حَتّى انْطَلَقَ الحَشْدُ في سِباقٍ محْمومٍ ، وقد شَمَّرُوا على سَواعِدِهِم، كَجِياعٍ تَدَاعَوْا على قَصْعَةِ تَرِيدٍ بالدّجاجِ البَلدِي أيَّامَ القَحْطِ، في عَمَلِيّة كَرٍّ وفَرٍّ، اخْتلَطَ فيها الصّاعِدُ بالنَّازِل، حتى كان نِصفُ آخِرِهِم داخِلها، ونِصْفُه الآخَر يتَدَلَّى خارِج بَابِها المُهْتَرِئ كَحُزْمَةِ بَصَل، بينما بقِيَتْ هي مُتَسَمِّرَة، تُراقِبُ المشْهدَ بعَيْنٍ بصِيرةٍ ويدٍ قصِيرة، في عجْزٍ تامٍّ وحَيْرةٍ، لا تَمْلِكُ خاصِيَّةَ التَّزاحُم والتَّدافُع، وقدْ ابْتعَدَتْ عنها الحافِلةُ، جارَّةً معها مُعانات وأحزَانَ النَّاس في صِراعِهم اليَوْمي مع قَساوَةِ الحَيَاة ومَرارَةِ لُقْمَةِ العيْش...
تَكرَّرتِ المشاهِدُ كحَلقاتِ مُسلْسلٍ تُركِي تافهٍ، لمْ تُفلِحْ في أنْ تكُون بطلةً في إِحْداها، وتَنْتَزِعَ كُرْسِيا لها، في حافِلاتٍ تظهر وتخْتَفي كَثَعْلَبِ الصَّحْراء، في مشْهدٍ مُتَكرِّرٍ بئِيس.
اقْتَربَ مِنها، وبعْدَ أن ألْقَى تَحِيَة "جَنْتِلْمان"، وبِدُون مُقَدِّمات، قال لها: هل تَقْبَلينَ بِي عَريسا يا سَيّدَتي، فأنا مُوظَّفٌ ميْسُورُ الحال، وقد أعْجَبنِي تصَرُّفكِ هذا الذي لايَصْدُرُ إلا عنْ نفْسٍ أَبِيَّة، لفَتاةٍ تحْتَرمُ نفْسها، وتأبَى أن تُلْقي بنفسِها وسَط زحْمةٍ، تخْتلطُ فيها أبْدانُ وروائِح البَشر، بروائِح عَوادِمِ هذه المُتلاشِيات، التي تَبْدُو وكأنها بَقايا هَياكِل لمَرْكَباتٍ مِن حَرْب الهِنْد الصِينية.
تبسَّمَتْ في حيَاءٍ، وقبْلَ أن تنْطِقَ بكلمةٍ قال: أعرفُ أينَ أجِدُكِ يا فتَاةَ أحْلامِي ومُنَايَ، انْتَظِري قُدُومي، وباقَةَ وُرُودِي هذا المساء ........
في رحْلةِ حَياتِهما النّاجِحَة، كان له معها، أُسامة عالِم فضاء مَرْمُوق ب "
NAZA "، ومَيْساء طبيبةُ أطفالٍ بكَنَدا، ولَمْياء سَفيرةٌ بالمُوزنْبِيق الشَّقِيق.
أما هُو فَقَدْ كان في مُجرَّد حُلْمٍ، اسْتَفاقَ مِنه على صُراخِ وعَوِيلِ زَوجَتِه "خناتة"، وهي تُحاوِل فَضَّ نِزاعٍ شَرِسٍ بالمِقَدَّاتِ والسَّواطِير، حَوْلَ كِسْرةِ خُبْزٍ يابِسَة، وحبَّة زيْتونٍ ذابِلة، بينَ أبْناءِهِ الثَّلاثة : " الغَزْوانِي المِيكانِيكِيّ، و بُوعَزَّة الجَزَّار و فَطُومَة بائِعَة البَغْرِير
😍😍😍...( محمد نخال)
#توطئة القراءة # قرات قصة ،الاخ الشاعر محمد نخال ،قراءة اولية ،فتساءلت ؟هل الشاعر يكون حاضرا في السرد ؟الا يمكن للغة الشعر ان توجه النخال' في محكيه ،خاصة وان هناك حدودا فاصلة بينهما ؟ للاشارة لا يمكن اعتبار هذا النص السردي ،مثل النصوص القصصية التي اعتدنا ان نقرأها ،لعدة اعتبارات 1/لغة شاعرية تمزج بين الوصف ،والحكي في ترابط غريب 2/تحضر تشبيها ت لتقريب المعنى بشكل مكثف ،تجعل القارئ يبحث عن المعنى من خلال العلاقة العجيبة بين المشبه والمشبه به 3/القصة تحتوي على جملتين ،في زمنين ، جملة في زمن الهلوسة __زمن الحلم جملة ما بعد زمن الهلوسة __زمن الواقع داخل المتخيل (ساقف عند هاته النقطة فيما بعد) 4/غياب التفاصيل في الاحداث ،مما يجعلنا الكاتب نتساءل لماذا انتقل فجأ من وضع الى وضع آخر دون لحظة انتقال ،،؟،،،،وهنا الهلوسة كلها مؤشرات تبين ان محمد النخال ،يحضر فيه الشاعر ،في محكيه ،كما يحضره ،واقعه ،في انسانيته ،ليغطينا نصا تجريبيا جديدا في الكتابة القصصية # العنوان مدخل لفهم الهلوسات # اعتبر العنوان في كل قراءاتي مدخلا اساسيا لادراك المعنى او لمحاولة فهمه اثناء القراءة فعادة الكاتب له اختياران امايكتب القصة وهي توحي له بالعنوان ،بحيث خيوط الأحداث وبعادها ، هي التي تقدم له العنوان او ان الكاتب يختار العنوان ويكون ملتزما بالكتابة وفق دلالته ،اي ان العنوان يوجه الكاتب في كتابته وكلا النهجين ،يتطلبان مجهودا كبيرا ،في اختيار الشكل التركيبي والدلالي ،لانه يعتبر عنصرا غرائبيا يحفز القاري،كي يقرا القصة ارجع الى العنوان ،،،ابتدا الكاتب بشبه جملة مكونة من شبه جملة (من هلوسات) وهاته من ،تسمى تبعيضية ،،بعض من هلوسات ،ليست كل الهلوسات ،والهلوسة ،،اشياء يفكر فيها الشخص والتي لا منطق لها ،خارجة الادراك المعقول ،نقول شخصا يهلوس اي ينطق بكلام لامعنى له ،ولاحجة عليه ولد علال ،،اسم دال في وصفه ،لا يسمى بهذا الاسم الا من يعيش في طبقة شعبية ،او انه ابن البادية ،انسان بسيط ،،أفكاره بسيطة ،وحياته متواضعة ،لكن عندما تكون هلوسات ولد علال ،هنا سنلاحظ طبيعة هاته الهلوسات ،وغرابتها #غرائبية الوصف ،داخل الهلوسة،# الجميل في هاته الهلوسة ان في وصف احداثها تكون قريبة من المعاناة ،سنلاحظ ذلك 1/وصف الفتاة انتظار عانس لعنيس ،،،تشبيه انتظار الحافلة ،بهذا الوصف يبين الرغبة والالحاح في الانتظار 2/وصف ولد علال له بدلة انيقة ،بربطة عنق مزركشة ،جلبه له خاله من بلاد الروم ،تفوح منه رائحةبلوشانيل كأنه ذاك العريس المرتقب لتلك العروسة العانس 3/وصف الحافلة حافلة متهالكة ،تشق طريقها بصعوبة ،كعجوز شمطاء،قوس الدهر ظهرها ، تجر وراءها عبء سنين عجاف تمشي باستحياء وعلى جانب واحد كسلطعون بحر تائه تنفث دخانا متصاعدا كلما اقتربت تأجج عادمها 4/وصف الناس يصعدون الى الحافلة شمروا على سواعدهم كجياع تداعوا على قصعة تريد بالدجاج البلدي في ايام قحط ،في عملية كر وفر اختلط الصاعد بالنازل نصف اخرهم داخلها ونصفه الاخر يتدلى خارج بابها المهتريء وصف يحيلنا على واقع قاس ،ثلاث زوايا نظر تلتقي في العذاب والمعاناة *الفتاة ،،،،كعانس تنتظر العريس انتظار طويل *ولد علا ،،،بلباسه الجميل ينتظر وصول الحافلة ليلتقي بالفتاة ، *الحافلة التي تدل على الزمن البطيء وكيف شبهها الكاتب بالعجوز المقوسة الظهر ،في سيرها ،مهترئة *الناس وهم يتكدسون لاخيار لهم الا الصعود ،،حين ابعدت عنها الحافلة جارة معها معاناة الناس واحزانهم وصراعهم اليومي مع قساوة الحياة ومرارة لقمة العيش #بين رفض الصعود وطلب الالتزام بالعهود# يستمر الكاتب في هلوساته ،ليوقفنا عند مشهد آخر ، =عدم رغبة الفتاة في استقالة الحافلة ،نظرا للازدحام ،وعدم تمكنها من الحصول على كرسي =تقدم البطل منها وبدون تردد طلب يدها للزواج لانه موظف ميسور الحال (في الهلوسة) إعجابه بتصرفها ،تصرف يصدر عن فتاة ابية ،تحترم نفسها ترفض ان تختلط بابدان روائح البشر ،والتي تبدو وكانها بقايا هياكل لمركبات من حرب صينية =تبسمها في حياء ،وقال لها اعرف اين اجدك ،،انتظري قدومي بباقة وردهذا المساء تزوجا وولدا ابناء واحد عالم فضاء اسامة ،وميساء طبيبة أطفال ،ولمياء سفيرة بالموزنبيق نسج غرائبي لأحداث تنقل بسرعة زمن ،وهنا طابعها الغرائبي ،لانها هلوسات ،لا يقبلها العقل ولا يحدها المنطق ،لكن ضمن الهلوسات ،يقربنا الكاتب من واقع مجتمعي فيه المتناقضات ،فيه الصراع ،والمعاناة ،وهنا ابداع الكاتب وروعة مكتوبه #صدمة الحلم في ما بعد الهلوسة # اما هو.___ لحظة انتقال الى واقع أخر ،واقع حلم هو الذي نسج الحكاية ،لقد استفاق من حلمه ليظهر ولد علال على حقيقته استفاق على صراخ زوجته خناتة ،التي تريد فض نزاع شرس بالمقدات والسواطير حول كسرة خبز ،هذا هو واقع ولد علال الذي سبب له هاته الهلوسات ،كيف لكسرة خبز،وحبة زيتون ان تكونا سبب صراع دام بين ابنائه الثلاثة بين الغزواني الميكانيكي وبوعزة الجرار وفطومة بائعة البغرير ،بخلاف البناء الثلاثة في الهلوسة ، ان الهلوسة تنتج من واقع اليم ،حياة يصنعها المهلوس للتعويض عن ماينقصه في الحياة محمد نخال ،كما قلت سابقا يستخصر الشعري في كتاباته السردية اما في التشبيه الغريب او في بعض الجمل ، كان بودي ان اقف عند هاته النقطة لكن اترك للقراء ان يتابعوا قراءتي ويتمموا ما نقص فيها هنيئا لنا بهذا الكاتب الراقي والمتواضع ،لقد استمتعت بهاته القصة ايما استمتاع لكن ،لم انه هاته الهلوسات الى هلوسات اخرى بقلمي بوسلام حسن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق