ج3.
محمد مومني وشعرية الذات السائبة الهاربة من نفسها ، بمسعى خاص تهدف تعرية الجرح المتذفق دمعا بلغة الشعر.
لافرق بين الصبر والضر في كتابة تمزج الحلم بالفراغ، يتحول الصبر بوجوه مقعرة، ويبزغ مرة اخرى تعجبا، كلها عوامل لم تمنعه من ان يصبح ضرا بمعان ذات توجهات متنوعة ، يقول:
صبر ضري
ماشفت بحال صبرك ياضري
وصبرك مابحالو صبر
كيف شفت
كيف عرفتك
طالت عشرتك ولفتك
ديما معايا
وانت حدايا
من لصغر حتى ال لكبر
ياضري ص 32.
مايهمني هنا ،وجدته في عنوان الديوان يحدثنا عن كلام عابر ومثير ينقل صدى الصبر بحبر الجرح الذي يمزج النفي بالتباث ، كما يلغي الوجود في العدم ، فقط ليجعل الماء فيه جمادا يتحرك كلما شاء الرجل تحريك الاشياء بعيدا عن فهمنا البسيط لاجزاء صغيرة في حباتنا المتشظية، فيعود متعجرفا ليعلن عن حجم ادراكاته لمرفقات اخرى قربه بتعجب خاص، ثم ليعيد تأويل الاحاسيس فيه بدلالات تهمه وحده فيفرضها علينا قسرا بجمال الشعر ، بعدها يصبح معنى مفهوم الصبر قصة للصبر نفسه ، يتحول فينا قائلا:
ماشفت بحال صبرك ياصبري
يصبح الصبر موضوع الصبر نفسه، ثم يأتي هنا ليصيح : ماشفت بحال صبرك ياضري
فيصبح الصبر معادلا حقيقيا للضر ، والضر صبرا ، والغرابة المكشوفة هنا متجلية وواضحة بتمفصلات ذات صبغة اساسها مرادفات اشتغلت في حقول اخرى بمعان وفي حياة محمد مومني لبست صيغا اخرى ، سنتقبلها رغما عنا لانها دخلت بارادته في صناعة المجهول داخل الموجود المعرف :
الصبر =الضر ..
هنا بيت القصيد ، يعاد النظر في الحياة ، تتغير مجاري انهار شاعر لتصبح سماواته تعلو بنا في وجود التعالي والسمو، فتصبح الذات حقيقة بمعنى ترونزيدونتالي كما حددها فلاسفة التعالي ، فيأتي الاشكال كاشفا عن نفسه من خلال سؤال مربك يقول: كيف للصبر ان يكون موضوع الصبر نفسه،!؟ وكيف للضر ان يتحول ليصبح صبرا،؟..
نصبح في هذه الحالة امام تفاعلات قوية تبني دلالات متشابكة تهدف الى اغناء صورة الضربة و تحدد قوة الصدمة باثارة تفيد ان درجات الضر تعدت المطلوب، مما جعل الشاعر يحول الضر صبرا ويجعل من الصبر ضرا، ليعود ويزيد من قوة الوقع عندما يتعجب من صبر صبره ويحكي عن حجم الضر الذي جعله يقول انه لم ير مثيلا لهذا الضر، مما دفع به ان يطرح الفكرة برمز دال ، اساسه تحريك الصبر وجعل منه موضوعا في الضر وحول الضر ليشارك همومنا ، ينصحنا ، يغرينا، يحدد مسعانا ، ثم اخير ا يطمأننا اننا في حال جيد رغم انه هو سبب وجعنا ، يقول :
ماشفت بحال صبرك ياضري.
هي كلها مؤشرات نصية تفيد قوة الضربة و قمة الوجع وحجم الصدع، مما يجعلنا نقول ان الشاعر يتفنن في نقل جمالية الالم بصور فنية لم يراع فيها ضيق التلقي الذي أصبح يملك القدرة على تذوق صدع الصور الشعرية ، هي كلها اشارات تحيل اننا امام قصيدة موضوعها المركزي التففن في شعرية احراق الذات والكشف عن ذوق الالم ، وتقبل صدع الصدمات، اي امام شعر ينقل شعرية الالم في قصيدة الضر بامتياز. فيصبح محمد مومني في هذا البوح شاعرا له القدرة على فهم صبر الصبر بلغة النفي القاطع الذي يفيد التعجب، كما له من الادراكات ماجعله يعرف هروب خياله/طيفه، الذي وصل به المدى ان عاشر جماعة نقيضة تتكلم عنه رفقه مايشببه، اي فقد السيطرة في التحكم فيما مايعكسه، او ما يعادله، او ما يشبهه، فاصبح(خيالو) عدوا ومجرما ومنافقا له ، كما تمكن من معرفة ان الصبر تحول ضرا والضر الذي تغير مجرى في نهره ليتحول صبرا ويفقد الصبر بذلك خاصية القوة الايجابية التي تجعل من المرئ قادرا على احتواء الالم ويصبح الصبر نفسه الما والضر صبرا بمعنى الاحتماء والاحتواء.
كلها صور بقيمة دلالية جعلت من كتابة ديوان ( ماشفت بحال صبرك ياصبري)، كتابة الضر بامتياز، كما يمكن ان نقول عنها ، كتابة المفارقات العميقة التي تخرج النفس من محيطها الذاتي لتتحول موضوعا لمادة اخرى لاعلاقة لها بنفسها، مما يؤهلنا ان نخرج بخلاصة قوية تفيد ان ديوان محمد مومني ديوان الغرائبيات بدرجة عالية من الجودة، وكتابة الخروج عن المألوف، وتحويل السلبي لينقل الجرح ويتكلم عن التصدعات بصيغة لاندرك فيها التغييرات المتناقضة، . يقول الشاعر معمقا هذه الارتباكات :
ياضري انت اللي صبرتيني
ولفتك او ولفتيني
من همها بعدتيني
او من اوهامها خرجتيني
او علمتيني نعصر
لحلاوة من السر ص 33
هو كاتب استطاع ان يتعلم الصبر من الضر، بل جعله رفيقا وانيسا يشاركه حلاوة الاسرار ، كما اصبح الضر انسانا رفيقا يطعم الرجل حياة الامل والترجي ليخرج من الضر الى الفرج، هنا الغرابة تكشف عن المستور الذي عرى عن القيمة بطرح نقيضها، فالضر هو النقيض الموضوعي لكل الترجيات ، هو موضوع الوجع الذي يجعل من الانسان قادرا ان يكون صبورا ليتجاوز محنته؛ مع محمد مومني اصبح الضر يقود الى الصبر وكانه خارج الحسبان وليس هو بيت القصيد ، مما يزيد من فهمنا بشكل اكبر ، ان الضر هنا ، معه او عنده ، اصبح الوسيلة المؤنسة التي جعلت من الشاعر مؤهلا ان يتجاوز ضره باستعمال الية الضر عينه ، ليقوده الى الصبر بمعناه الايجابي ، فتحول الموضوع من الصبغة السلبية لمفهوم الضر الى اداة مميزة مؤهلة ان تسعدنا وتخرجنا من ضيق الوجع ومن صدر الالم الى حياة الامل وواقع التشفي والحلم. يقول:
بيك شفت شلا نخوة
بنت الكلبة ديك الرشوة
صح من ظالم خاصو الدوا ص 33
فيصبح موضوع الضر له صلة بواقع الرشوة وبدنيا الفساد ، التي وصفها بانها:
صح من ظالم خاصو ادوا ص33 ..
يصبح الضر قريبا من مجال النخوة، معريا عن النفس في صلتها بالرشوة، كما اصبح الوسيلة التي قربت بيئةالصبر لتتحول بمعنى الرفيق ، فيتحول الضر من معناه السلبي ليصبح اداة ضاغطة ، ووسيلة مناضلة تهدف تعرية الواقع من اجل تغييره ، في حين( خيالو) الذي خرج عن طوعه ماهو الى الرفيق في الحياة، القريب منه الذي افسد ظنه وغير من رؤيته له، بعد ان كان يظن ، باعتقاد خاطئ، رفيقا لمناهضة الطغيان، تحول ليصبح هو نفسه الطغيان والاوجاع، مما يجعلنا، حسبه، نكون مطالبين :
احلف باليمين يشمر مايغش
لباسو ملاك وهو حنش
يخرج عينيه بلا مايرمش
انا ماشي ديال الفابور
سير شد الصف او بكر ص 33
. ان ميزة الشعرية في الكتابة عند الشاعر محمد مومني تحكمها خاصية مناهضة الفساد وايقاف وجع الظلم والتظلم وايقاف نزيف الرشوة ، هي كلها مؤشرات نصية اسعفتنا ان نقول ان كتابة الرجل هي نقل وجع الواقع بصور عميقة تبنى فيها تكليم الخيال وجعل من الضر والصبر مفهوما واحدا، كما انها شعرية تخرج الذوات من حقيقتها لتحولها الى دلالات اخرى تفيد سخرية كتابة ذات منحى تعرية الرداءة والكشف عن المستور في واقع طال جرحه وتعدى الصبر فيه درجات الحياة ليتحول فيصبح هو عينه الضر بالمفهوم النقدي والقدحي المنغرس في اعماق الوجدان. انها كتابة التعالي بمحيطها النفسي ، لتكشف عن واقعها المقهور بتحويل محيطها من دلالات عريقة في وجودنا الشفاهي والمكتوب الى معان ايجابية مقبولة رغم انها هي اساس الاضطرابات. فنصبح بذلك امام كتابة تجعل من المتلقي لايشعر وهو يتبقل المتناقضات بالشرط الذي الزمه عليها الشاعر ليحولها الى كتابة تقبل القبح وتحويله جمالا في حياة الزجل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق