الحسين بن زهرة
****
****
الرمز في
الزجل المغربي :
********************
(مِيلُود بابا بن العرْوي نموذجاً)
تقديـــم :
يَكْتبُ
الزَّجالُ النَّصَ الزَّجَلِي بِلُغَةٍ عَامِيةٍ ، ويمْتحُ مُفْرَداتهِ من الذاكرة
الشعبية ، ولا يقيمُ قوانين اللغة لخلْق النص وإبداعه ، بل يجْعَلُ من مَقْبوليةِ
المتلقي حكماً ، ويتخذ من قَبُول المتلقي لخطاباته شفاعةً لدى محكمة النسق الفصيح
، ولأنه لا وجود لرقابة النحو ، ولا وجود لسلطة علوم اللغة في الخلق الزَّجلي ،
يغدو الزّجالُ مُتمرِّداً لطيفاً ، يُهدِّمُ منْطِقَ القانون والناموس ، ويتجاوز
حدود القاعدة
/ القواعد
، ويُلْغي من ذهنِهِ ، كمُبْدِعَ ، سُلطةَ وسُلْطانَ القانون اللغوي ، ليمارس
جريمةَ إثبات الذات في مساحةٍ لُغَويةٍ عاميةٍ لا تعْرِفُ القيد ولا الحد ،
وليقترف جناية خرق علوم اللغة بسابق الإصرار والترصد . كثيرةُ هي النصوصُ الزجلية
التي (تُشغِلُ)
/ توظِفُ الرمز ، توظفهُ لتمثيل الأشياء مثل
الأفكار والعواطف ، ولتنْزيل التصورات من سموات المجرد ، إلى أرض المُشَاهَدِ
والمُشخص ، فالفنان (الزَّجالُ) ذو المخيلةِ الخصبةِ ، ينفخُ الروح في جسد اللغة
العامية / الدارجة ، تلك اللغة التي أنهكها الاسْتعمال اليومي ، فتغدو ، من خلال
الرمز ، لغةً حيةً قابلةً للتأويل والبحث في طبقاتها ، إنه ، الزجَّال، يحفر عمقا
معْنوياً ، دلالياً ، يحث المتلقي ، على الغوص في أعماق النص الزجلي ، للوصول إلى
المعنى / المعاني الموجودة فيه ، فتصبح اللغة العامية حركيةً وقويةً .
سأشتغلُ
على عمل من أعمال الزجَّال المغربي " ميلود بابا بن العروي " ، لنرى كيف
يخْلُقُ الرَّمْزُ الحيويةَ في اللغة العامية ، وكيف تُصْبِحُ الدارجةُ أكثر قوةً
من خلال الترميزفالدارجةُ تُنقلُ / تنتقل إلى درجة أخرى ، يصْبِح فيها المتلقي /
العادي ، مشاركا في عملية الخلق ، أو البناء الدلالي ، ويصبح البناء المألوف ، على
المستوى العامي ، يصبح غرائبياً ، أو يقحم المتلقي في طقس نفسي غريب ، ــ لعلها
صدمة المكتوب الغريب ــ ، ومن تمت ، تغدو النصوص الزجلية ، تسهم في زعزعة اللغة
العامية ، وخلق ، لغة عامية ، مشحونة بالرمز والعلامات التي تحتاج إلى تفكيك وفهم
، وتأويل ، وسنرى أن رموز ميلود بن بابا العروي ، تعْمَلُ على خلق اللغة الدارجة
الفنية ، التي تعلو على الخطاب اليومي .
1 ـ
تعْريفُ الرمز : ورد في معجم المعاني تعريف ومعنى رمز : رَمَزَ (فِعْلُ) : رَمَزَ
، يَرْمِزُ ، رَمْزاً، فهو رَامِزُ، والمفعول مرموز إليه . رَمَزَ الشخصُ : غمز ،
أومأ أو أشار بالشفتين أو الشفتين أو العينين أو الحاجبين أو الرأس أو أي شيء كان
دون إصدار الصوت ، وذلك بقصد التفاهم . رمز إلى الشيء بعلامة : دل بها عليه ،
مثَّله بصورتها أو شكلها أو نموذجها . يقول الكاتبُ " هنري بير " في
كتابة ( الأدب الرمزي ) : " ترجع كلمة " رمز" إلى الزمان القديم ،
وملاحقتها ، ليست بذات فائدةٍ. فالكلمة ، في العصور الوسطى ثم في الكثير من
تفسيرات الميثولوجيا في القرن التاسع عشر ، حملت معاني كثيرة ، فهي ، في اليونانية
، كانت تعني " قطعة من خزفٍ " أو من أي إناء ضيافة ، دلالة على الاهتمام
بالضيف . والكلمة ، في أصلها ، مشتقة من الفعل اليوناني الذي يعني " ألقى
نفسه " أي هو يعني : الجمع في حركة واحدة بين الإشارة والشيء المشار إليه
" (ص: 7) يمكن أن نستشف ، من خلال هذه التعاريف ، أن الرمز علامة يشارُ بها
إلى شيء معين . إما بقصد الإيهام ، أو التستر ، أو لمعانٍ أخرى ... وعلى الإجمال :
فإن الرمز وسيلة لتمثيل الأفكار والعواطف . قد يكون من دواعي أسباب تشغيل/ توظيف
الرمز ، هو الخوف من السلطة / الطبقة الحاكمة ، وذلك من أجل إبعاد الإشارة
المباشرة إلى المشار إليه ، لأن اللغة حمَّالُ المعاني والدلالات ، وخزَّان للمعنى
/ المعاني .
يعْرِف
الزَّجالُ المغربي ميلود بن بابا العروي كيف يوظف الرمز ، انطلاقا من حسٍ فني ،
فيشغله في (ب) اللغة العامية ، مُفجِرا الثابت ، ومخلْخلاُ المعاني العادية ، التي
أصبحت عادة عند اللسان العامي ، فهو ، كفنان ، يفتح النص الزجلي على عوالم أخرى ،
ولا يقف باللغة العامية عند عتبات المعروف ، والمألوف ، بل يقتحم عباب المعنى
.. يتبـــــــع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق