الأحد، 19 أغسطس 2018

الرمز في الزجل المغربي (ذ)

الحسين بن زهرة
****
الرمز في الزجل المغربي :
********************
 (مِيلُود بابا بن العرْوي نموذجاً)

تقديـــم :

يَكْتبُ الزَّجالُ النَّصَ الزَّجَلِي بِلُغَةٍ عَامِيةٍ ، ويمْتحُ مُفْرَداتهِ من الذاكرة الشعبية ، ولا يقيمُ قوانين اللغة لخلْق النص وإبداعه ، بل يجْعَلُ من مَقْبوليةِ المتلقي حكماً ، ويتخذ من قَبُول المتلقي لخطاباته شفاعةً لدى محكمة النسق الفصيح ، ولأنه لا وجود لرقابة النحو ، ولا وجود لسلطة علوم اللغة في الخلق الزَّجلي ، يغدو الزّجالُ مُتمرِّداً لطيفاً ، يُهدِّمُ منْطِقَ القانون والناموس ، ويتجاوز حدود القاعدة

/ القواعد ، ويُلْغي من ذهنِهِ ، كمُبْدِعَ ، سُلطةَ وسُلْطانَ القانون اللغوي ، ليمارس جريمةَ إثبات الذات في مساحةٍ لُغَويةٍ عاميةٍ لا تعْرِفُ القيد ولا الحد ، وليقترف جناية خرق علوم اللغة بسابق الإصرار والترصد . كثيرةُ هي النصوصُ الزجلية التي (تُشغِلُ)

 / توظِفُ الرمز ، توظفهُ لتمثيل الأشياء مثل الأفكار والعواطف ، ولتنْزيل التصورات من سموات المجرد ، إلى أرض المُشَاهَدِ والمُشخص ، فالفنان (الزَّجالُ) ذو المخيلةِ الخصبةِ ، ينفخُ الروح في جسد اللغة العامية / الدارجة ، تلك اللغة التي أنهكها الاسْتعمال اليومي ، فتغدو ، من خلال الرمز ، لغةً حيةً قابلةً للتأويل والبحث في طبقاتها ، إنه ، الزجَّال، يحفر عمقا معْنوياً ، دلالياً ، يحث المتلقي ، على الغوص في أعماق النص الزجلي ، للوصول إلى المعنى / المعاني الموجودة فيه ، فتصبح اللغة العامية حركيةً وقويةً .

سأشتغلُ على عمل من أعمال الزجَّال المغربي " ميلود بابا بن العروي " ، لنرى كيف يخْلُقُ الرَّمْزُ الحيويةَ في اللغة العامية ، وكيف تُصْبِحُ الدارجةُ أكثر قوةً من خلال الترميزفالدارجةُ تُنقلُ / تنتقل إلى درجة أخرى ، يصْبِح فيها المتلقي / العادي ، مشاركا في عملية الخلق ، أو البناء الدلالي ، ويصبح البناء المألوف ، على المستوى العامي ، يصبح غرائبياً ، أو يقحم المتلقي في طقس نفسي غريب ، ــ لعلها صدمة المكتوب الغريب ــ ، ومن تمت ، تغدو النصوص الزجلية ، تسهم في زعزعة اللغة العامية ، وخلق ، لغة عامية ، مشحونة بالرمز والعلامات التي تحتاج إلى تفكيك وفهم ، وتأويل ، وسنرى أن رموز ميلود بن بابا العروي ، تعْمَلُ على خلق اللغة الدارجة الفنية ، التي تعلو على الخطاب اليومي .

1 ـ تعْريفُ الرمز : ورد في معجم المعاني تعريف ومعنى رمز : رَمَزَ (فِعْلُ) : رَمَزَ ، يَرْمِزُ ، رَمْزاً، فهو رَامِزُ، والمفعول مرموز إليه . رَمَزَ الشخصُ : غمز ، أومأ أو أشار بالشفتين أو الشفتين أو العينين أو الحاجبين أو الرأس أو أي شيء كان دون إصدار الصوت ، وذلك بقصد التفاهم . رمز إلى الشيء بعلامة : دل بها عليه ، مثَّله بصورتها أو شكلها أو نموذجها . يقول الكاتبُ " هنري بير " في كتابة ( الأدب الرمزي ) : " ترجع كلمة " رمز" إلى الزمان القديم ، وملاحقتها ، ليست بذات فائدةٍ. فالكلمة ، في العصور الوسطى ثم في الكثير من تفسيرات الميثولوجيا في القرن التاسع عشر ، حملت معاني كثيرة ، فهي ، في اليونانية ، كانت تعني " قطعة من خزفٍ " أو من أي إناء ضيافة ، دلالة على الاهتمام بالضيف . والكلمة ، في أصلها ، مشتقة من الفعل اليوناني الذي يعني " ألقى نفسه " أي هو يعني : الجمع في حركة واحدة بين الإشارة والشيء المشار إليه " (ص: 7) يمكن أن نستشف ، من خلال هذه التعاريف ، أن الرمز علامة يشارُ بها إلى شيء معين . إما بقصد الإيهام ، أو التستر ، أو لمعانٍ أخرى ... وعلى الإجمال : فإن الرمز وسيلة لتمثيل الأفكار والعواطف . قد يكون من دواعي أسباب تشغيل/ توظيف الرمز ، هو الخوف من السلطة / الطبقة الحاكمة ، وذلك من أجل إبعاد الإشارة المباشرة إلى المشار إليه ، لأن اللغة حمَّالُ المعاني والدلالات ، وخزَّان للمعنى / المعاني .

يعْرِف الزَّجالُ المغربي ميلود بن بابا العروي كيف يوظف الرمز ، انطلاقا من حسٍ فني ، فيشغله في (ب) اللغة العامية ، مُفجِرا الثابت ، ومخلْخلاُ المعاني العادية ، التي أصبحت عادة عند اللسان العامي ، فهو ، كفنان ، يفتح النص الزجلي على عوالم أخرى ، ولا يقف باللغة العامية عند عتبات المعروف ، والمألوف ، بل يقتحم عباب المعنى
 .. يتبـــــــع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق