الاثنين، 30 يوليو 2018

سعيد فرحاوي‎ 
*************
ج2.
محمد مومني وشعرية الصورة الهاربة من ذات منسية تكتب لوجودها حياة في ديوان( ماشفت بحال صبرك ياصبري).
عندما نتحول الى نصوص الديوان لعلنا نتحكم في تشكيل مملكة الكتابة عند الرجل، او نقدر على امساك بعض الشذرات التي تسعفنا في استنطاق حياة الصبر التي شكلت نفيا قطعيا في وجود منكسر ،واقع كلمه الرجل بنفي استنكاري، كما احال عليه بتعجب يحمل معنى النفي المحيل على الرفض التام ، باشارات تدل على عدم تقبل منعرجات واقع فيه مايكفي ان نقول عنه انه خشن، بعد كل هذه التأويلات الباطنية التي اثارتني وانا اتجول في بستان قصائد مستفزة ، تجرني المتاهة الى موضوع اقوى واعمق من دوامة الصبر، اوقفت ممشاي عندما وجدته يخرج طيفه او خياله من حسبانه ، لم تعد للرجل صلة بصورة تعكسه، مايشبهه خرج طواعية عن تحركاته ، لانه في الاول ظهر مرافقا له باعتراف واضح(خيالي) ، يحاكيه، يسير قربه، يرسم توازيا موضوعيا في كل سيره، ليقوم بما يقوم به صاحبه ، بل احيانا قد تتوالد الحياة بصيغة نوعا ما بعيدة عن تكوينه. شاعر ، هنا ابعد الخيال الذي تشظى في جسده كصورة مادية ليصبح الطيف هو عينه هيولى فيزيائية تشاطر اطرافا غريبة فيه بصفات جد دقيقة. قال عنها الشاعر:
شفت لكلوب الكحلة
بيضة لماعة
شفت واحد بحالي
يدوي فيا مع جماعة
كلت انتبعو ونشوف مالي
وشكون.....
دوك الطماعة
كال ليهم بلا والي
تغمضو عينيا
وكفو مال الساعة
تلفت ليا
الكيتو خيالي ص 30..
في عنوان الديوان نجد كلمة (ماشفت)، تتمظهر بصيغة النفي، فيخرج صبره من طبيعة الوقع المحدد الى المحال المطلق، رافضا حالة تهمه ولكنه ، حسبه، خارج ادراكاته، لانها صورة لحالة تعدت المطاق، اما هنا يتحول الشاعر ليغير مجال الرؤية بتغييب (ما)، فينقلب النفي الى التوكيد، لان الشاعر رأى بصيغة تابثة( شفت)، بتأكيد ايضا جد تام، فنصبح امام صورة واضحة الملامح، هنا يرى ليؤكد ثبات قبح ظاهرة ما ، وهناك ينفي ليتحدد بصيغة الاستنكار، بين الصورتين في مجال الرؤيا تتقارب المعنى وتلتقي عيون المعنى لتفيد توكيد الضرر، هنا في تعجبه ينثر الالم ، وهناك في تباث اليقين تتمفصل المعنى بتأكيد عمقه يقذف الجرح، فتتوالد الحياة بصبر لايطاق، وفي الرؤية الثانية جماعة تحيى بمكر خاص وبخيانة مرافقه/ لخيال، يجد نفسه في واقع النميمة والخيانة ،التي قد نقول عنها، انها غير معقولة مادامت هنا مصاحبة بطيف انبثق من جسد الشاعر وخرج عن طوعه فاصبح عدوا له، مادام تداخل التلاق بتامر خاص مع اعداء وصفهم باصحاب القلوب السوداء. ما يهمني هنا هو ان خياله / ممثله/ ما يعكس تحققه او بصورة ادق، هو صورة تمتلك احتواءاته في كل تجليات واقع منكسر، اصبح ذاتا تسير كما يريد الشاعر، مرة قربه ومرات اخرى في تواطئ خاص مع اعدائه ليصبح هو عينه عدوا له، محترما مقولة صديق عدوي عدوي. فتتوالد التراكيب بمؤشرات متلازمة في ذات شاعر، الاولى ترى ، واخرى تتمثل في نفسها لتخرج عن نفسه ، فتجرح الانفاس وتطعن الاعماق، بمعنى ان البناءات كلها متداخلة ،هنا شاعر يتبختر في تامله وهناك خياله يخرج من حياة صاحبه ليشارك عدوه اجراحه ، فتصبح ذات الشاعر في وضع تأملي ، تنظر الى محيطها بصيغتها الملائمة، فتخرج من وجودها الحقيقي لتدرك مايعكسها خارج المدركات، طبعا بصورة رافضة. فيصبح الشاعر يعيش وضعا عمقه حوار خاص ، فتخرج الذات من صمتها لتكلم صبرها وتنفي وجود خيالها، فتصبح الخيانة موضوعا لمحدداتها، والنميمة مجالا مشتركا ببن كائنات متزاوجة بتحقق ممزق: الاولى موضوعية/ اصحاب لكلوب السوداء، والاخرى تمثل طرفه المنقلب عنه، او المرافق المنشق من تحققه كصورة وجودية ماكرة و خادعة او بتصوير ادق مربكة. فتصبح كل العلامات دالة باثارة مكشوفة تفيد ان الشاعر اراد ان يجعل من جزئيات الحياة الموجودة قربه اساسها كائنات تحيى بعمق لونه الخيانات، ببعديها : الذاتي( الشخص مع نفسه) كوضع مبهم وغير مفيد، والموضوعي لان ما يصاحبها ويعيش بقربها لايتفنن سوى في الفتك والغدر والطمع المكشوف. يضيف معريا هذه المتاهات قائلا:
عنداك اتيق في خيالك
يكون بحالك
ؤ ماشي ديالك ....30 ...
فتنتهي الثقة نهائيا في كل ماهو حاضر بشكل مباشر في حياة شاعر اخرج كل جزئيات علاقات محدد من ظن الحسبان.
كل هذه المؤشرات تحيلنا على دلالات متنوعة، كما ترشدنا على فهم ان الصبر الذي اخرج الشاعر من وجود الظن ، وغير مسعى الرؤية التي جعلت منه رافضا محددا حالة الصبر، الذي لم ير مثيلا له (ماشفت بحال صبرك)، فينتقل بابعاد بنائية ليحدثنا بشكل عميق ، عن الخيانات ، ويحدد جغرافية الاوجاع ، خاصة عندما تصبح الكائنات المرافقة له او القريبة منه ، تدخل في علاقات اخرى متناقضة اساسها :
شفت واحد بحالي
يدوي فيا مع جماعة.. ص 30.
فنفهم من كل ماسبق ان الصبر اصبح موضوعا لقضية مثيرة ، شاعر يلبس قضاياه الى درجة جعلت منه في وضع تعدى فيه الصبر الحدود ، وان ايقاع النفي الذي استهل به خطاباته ، هي فقط عناصر تقوم بتصفية المشوشات التي تتكلم عنه اجزاء المعنى المتواثرة و المتصارعة في وجودها المتسم بألغاز ومعان جد.مضمرة .
هي كلها مؤشرات جاءت عبارة عن اسطر شعرية ، قالت الكثير لتدشن جدلية جد معمقة و مفيدة في نفس الوقت ، بين صبر غادر وباث في وضع حساس ، مميز بسمات جعلت منه رقيق المشاعر ، جاءت الكتابة متشاكلة لتنصفه باستحضار معان الزمن الردئ الكاشف عن خيال ماكر . كلها معطيات اخرجت الشاعر من الانجاز الوجودي السليم ، الى منطق النفي في دوامة المطلق داخل مجرة الزمن الفاسد والداعر.


بسم الله الرحمن الرحيم

شاعرة ،من طينة اصيلة ،عشقت الابداع ،وعشقها ،كتبت في الفصيح ،وفي الزجل ،رئيسة مجلة الواحة،من مواليد مدينة الرباط ،متزوجة ،ولها ابن اسمه حمزة وبنت ،خلود ،تقطن في مدينة اگادير ،
نگول كلمتي عبارة عن مجموعة من القصائد ،اختارت لها الشاعرة هذا الاسم ،وكل قصيدة تختلف عن الاخرى ،من حيث المعنى والبعد الشعري
قصيدة تحتفي بها ،صفحة قراءة ونقد والتي يرعاها الاخ العزيز ،الرجل الطيب شعيب المذكوري الذي اكن له كل الاحترام والتقدير ،
قصيدة تستحق ان تكون في محك القراءة ،لذا نهيب بنقادنا وقرائنا ان يقربوا معانيها وان يمتعوننا بجماليتها ،كما اتمتى ان نبتعد عن الثناء والاطراء،وتلخيص المضامين ،شكرا لروادنا ومرحبا بكم عند وفاء ام حمزة ،في قصيدتها نگول كلمتي.
****
نص القصيدة :
**نڭول كلمتي**
(على كتاف الوقت )
على كتاف الوقت
سرحني بوحي ليالي
نرعى من هبالي
ؤ نسقي كبالي
من فياق كتفو الصمت
شراني اسهو
ؤ باعني ليّا
كتاب بيض
تجلاو حروفي
سمحت فيا لورقة
وساح مدادي دمعة
ملبدة ف جفوني
تحيّنتْ
وريحها يلالي
وهي تقلب فين تحط
فين نكبها
فلبحر ولا ف الشط
فدروب السما
تبكي وتنحط
ارضي لبسها لكحط
وهاد الصهد
لفاضحني
لمعريني
فعز البرد
مرة يقرصني
مرة يجمد
ولا المحنة الراكدة فيا
المركباني
تراري بيا
وانا مني نبغي نزهق
هي فلحزمة تعڭد
وانا نقلب فين ارڭد
ولكلمة مشتّاني
محيراني
معششة ف أركاني
اللاوية ذراعي
أنا نطلق وهي تشد
انا نتكمش وهي تجبد
روحانية
وحسابي ما بغى يتعد
قراتني لوح
لجماتني
سرات ف أعماقي
سكنت الروح
وبوحي عرڭان
عريان
عطشان
لسانو يلهت
ولونو بهت
وعرقو مجروح
حلف من كاسي يشرب
ؤمن حروفي
يلقّم عياطي نغمات
طلعات
من حر البوح
وفاء أم حمزة ج
*********
القراءات
1 - قراءة الاستاذ حسن بوسلام :
**********************

شاعرة استطاعت في قصائدها ،ان تقاوم شيئين ،الصمت الذي يمنعها من البوح ،والالم الذي يرافقها في حياتها ،هذا الالم الذي يحاصرها من واجهتين : الالم ألفراق. المرض الم البعد المكاني ،الذي فصلها عن من تحبه ،والمرض الذي يصاحبها ،في لحظات ،يخنقها يجعلها تقترب من ذاتها تتحسسها بنبض شاعرة رقيقة المشاعر اذن البوح من رحيم الصمت ،والالم من رحيم الحياة،رسم خطوطا عريضة على مسار الشاعرة في قصائدها ،نگول كلمتي،والتي اعطت لكل قصيدة نفسا،ورؤية شعرية ،بل لاقل ،فلسفة ومنهجا في الكتابة الزجلية التي اعتبرها رائدة ،ومتميزة ،ذات نبرات بايقاع سواكن الشاعرة ، سوف اطل على قصائد الشاعرة ‘‘نگول كلمتي،، واقارنها بالقصيدة المطروحة امامنا للقراءة ،من خلال تابثي البوح والالم ، #لحظة البوح ف نگول كلمتي # اقف عند عنوان القصائد لكي ابين دلالته الوجدانية عند الشاعرة نگول ،،رغبة في القول واصرار في البوح ،ونگول هو كلام ،من عمق وجدان الشاعرة ،هو القصيدة التي فجرت فيها صمتها ،واعلنت فيه تمردها عن السكوت لانه بالنسبة لها موت ،ونهاية حتمية كلمتي ،بصيغة المفرد ،للدلالة على أنها كلمة واحدة لكنها تختزن ،كل المشاعر ،الحب ،الامل الألم ،التمرد ،الصراخ الحلم ،الدموع ،المقاومة ،الصبر ‘كلمتي تحمل حقيبة المعاني ،في سفر من الذات الى الذات تارة ومن الذات الى الآخر تارة اخرى لنقف عند البوح في قصائد الشاعرة التي عنونتها بنگول كلمتي تقول وفاء في قصيدة لها بنفس العنوان : ف اغواتي يتعانق لفوق مع لتحت ويغير عياطي ف اسكاتي هنا الغوات غير العياط ف السكات ،والغوات ،،،،،الصراخ لحظة الم او في وضع مفجع والعياط ،هي النداء ،،قصد طلب شيء معين ،وسنلاحظ الكلمتين حاضرتين في قصيدة اخرى،مما يؤكد الاصرار على هاتين الحالتين ،،، الغوات. العياط صراخ وبكاء. نداء الاخر السكات فالسكات اختزل الغوات والعياط نقرا بوحها في قصيدة اخرى ،اذ تقول : مكمشة فكماطها تزكي فعياطها برولتني غوات كنت نظنني نسيتها هي ما نسات العياط قدمته على الغوات ،بخلاف المقطع السابق وقد استحضرتهما الشاعرة في قصيدة اخرى وان كان لها نفس العنوان تحول العياط الى غوات ،في حضرة التذكر العنيد نقرا مقطعا من قصيدة اخرى بيني وبيني محطة كلام امدرح اسكات امدري بلا ريح مقطع في غاية الروعة ،مرة اخرى تستحضر السكات الذي تدرى بلا ريح بلا هواء من القلب المازوم والمكلوم ،في محطة الكلام حيث انتظار القصيدة التي ستسافر بها الى حيث البوح الجميل مرة اخرى توظف الشاعرة السكات ،وكل مرة تعطيه صفة ،لنقراه في هذا المقطع وشكون وشكون لنغمة السكاتي يسمع ويخلي نغيمة تغسلني من الزفرات السكات له نغمة عنده ،هو لحظة تطهير لما علق من قلبها من الم ،السكات له عندها لغة ،وله كلام ،هو كلام الوجدان ....

ا في قصيدته ضيفة قراءة ونقد يحضر البوح بشكل متجدد ومتطور تقول في قصيدتها على كتاف الوقت سرحني بوحي ليالي نرعى من هبالي ونسقي كبالي الزمن يسرح الشاعرة ان تبوح في الليالي و ان ترعى الهبال الذي هو هباله له خصوصية ،هبال الخيال ،هبال القصيد ،هبال الكلام المصنوع على مقاس القلب بوحي عرگان عريان عطشان لسانو يلهث وعرقو مجروح هو بوح عرگان من الجري في البحث ،عطشان يريد ان يرتوي من الحياة في ابهى صورها ،لسانو يلهت من كثرة الجري والسباق مع الزمن ،لكن عرقو مجروح ،من كثرة الالم ، ومن حروفي يلقم عياطي نغمات طلعات من حر البوح لاحظوا العياط مرة اخرى يحضر هنا ،ويغيب الغوات ،العياط الدال على طلب ،ودعوة الى شيء معين ،،لكن عياط داخل النص ،،،جمالا ،،لان الحروف تلقم العياط نغمات ،كلمة لها حضورها في نصوص الشاعرة اقول هو البوح الرابط بين القصائد حميعها ،الحبل الواصل الذي يمثل ركيزة القصائد نگول كلمتي ،ليكون العنوان وفيا لنظم قصائد وفاء انه بوح فيه الم فيه نار نابعة من الجمر تقول الشاعرة من گاشوشي يطلع لبوح الجمر البوح بمعاناة رسمتها الشاعرة على طول قصائدها ساتوقف عند بعض جوانب شكل آلامها #بوحالالم لانتظار صمت الامل # بوح الشاعر هو اللغة التي اسكنتها قصائدها ،وسوت منها متنفسا لها من الجرح ،والنيران والدموع والصمت القاتل لنقف عند اشكال الالم في قصائدها تقول الشاعرة ف ازحام الوقت تمشيني خطوتي تجريني مرة ومرة نعثر هاته هي حال الشاعرة في صراعها مع الزمن ،الذي شكل لها هاجسا كبيرا على طول قصائدها ،فهي تمشيها خطوتها تتحكم فيها لكن تجريها مرة ومرة تعثر ،ولم تقل تسقط لان هنا شيئا هو الذي سبب لها العثور ننتقل الى مقطع آخر من قصيدة اخرى فركان عزري يحرمر اجمر الكحات تطلع التنفيسة وجع من السكرات ، الم تعيشه الشاعرة ويرافقها انه الم المرض ،الذي ينتابها بين اجمر الكحات ،وصعوبة طلوع التنفيسة والنفس ،والتنفيسة والشهقة ،كلها تحضر في قصائدها لناخذ هذا المقطع على بوابو تبكي وتنوح من هوالها تجبد همي فهمو حل فمو وبانت الجروح شهقت شهقات بكاء ونواح وهم وجراح وشهقات تخرج من صدر يصارع المرض يواجه الالم الذي حول الجسد شقوقا ،،تقول الشاعرة ويصرفني كلمة تدوي تسكن عروقي وتخلي فوقي بلا سقف تسيل الشمس من شقوقي جمل تزهو في التعبير عن الم ،فكيف الشمس تسيل ،وهل فعلا تسيل ؟من اشقوقها ،من جسد حوله المرض الى ثقوب يتسرب منها الداء في كل لحظة نرجع الى قصيدتنا لنرى نوع الالم فيها هل بقي يحافظ على صورته ام تطور ؟ تقول الشاعرة : ساح مدادي دمعة ملبدة ف جفوني الدمعة التي لا تفارق الشاعرة هاد الصهد لفاضحني لمعريني فعز البرد الصهد الذي يعريها ف عز البرد فالصهد بالمعنى الحقيقي ولكنه مجازي حيث مرة يقرصني مرة يجمد مرة تتالم مرة ترجع الى حالتها الطبيعية ولا المحنة الراگدة فيا المركباني تراري بي المحنة الراگدة في ذات الشاعرة ،والتي تستفيق ،اذا لم يتم مداعبتها ، هي فلحزمة تعگد وانا نقلب فين نرگد الرگاد يتكرر ،هو نسيان الالم
محاولة نسيان المرض ،مقاومته لأول مرة الشاعرة تخلق صراعا لدراما بينها وبين الألم ،والمحن لنرى ذلك اللاويا ذراعي انا نطلق وهي تشد انا ننكمش وهي تجبد هي تريد الهدنة معها لكن اصرارها على النيل منها ،هدفها ومرماها في هاته القصيدة تقربنا الشاعرة من نفسيتها ،توضح حالتها بشكل متطور على القصائد الأخرى ،نفسية فيها هدنة ،فيها رگاد ،فيها دمع يتجمد لكن من جهة أخرى هناك الالم المرض الذي يجرها الى الاستسلام ،الى الهزيمة ‘‘ لم أعثر على بسمة ،في قصائدها(نگول كلمتي) ،كلها معجم الألم الحزن ،المرض،المحن ،وهذا طبيعي الم الشاعرة تعبر عن ذاتها عن ما تحسه من آلام يعتصرها ويشدها شدا الى المقاومة ،والاستمرار في الصمود من اجل البقاء داخل البوح هي رحلة مختصرة في اربع قصائد من نگول كلمتي ،بينت قدرة الشاعرة الفائقة على ابداع الألم بلغة شاعرية لها خصوصيتها وتميزها ، وفاء ام حمزة زجالة من الطراز الرفيع ،زجلها مثقف ،يتطلب طاقة فكرية وشعرية لفهم عالمها والاقتراب من رماد خيالها والذي إذا حركته بقراءة واعية اشتعلت النيران ،بقبس شعري متزن ووازن
بقلم بوسلام حسن
**************
2 - قراءة الاستاذ مصطفى البدوي
************************

قراءة في قصيدة على اكتاف الوقت للشاعرة وفاء ام حمزة جليدة.
عنوان القصيدة أحيانا هو مدخل للقراءة.
هذا اذا كان العنوان مختارا بعناية ودقة .
والنص يدور حول العنون اما شارحا ومفصلا واما تاركا النص في دوامة العنوان.
حيث يستشف القارىء مغزى البوح وعمق القراءة.
وهنا اختيار العنوان كان ملائما جدا.
على أكتاف = عادة ما يحمل على الاكتاف هو الثقل الكبير، او النعش او حمل الحياة من الحزن او حتى الفرح. فنقول ان فلان هاز القفة على كتفه او عنقة. الذي يحمل مصاريف البيت وعبء الحياة والعائلة.
وهنا نرى شاعرتنا تحمل هموما على كتفها حزن ظاهر بين الحروف.
وعندما تقول على اكتاف الوقت، فهو تشبية بليغ في ثقل الزمان ومتغيراته. فتشبة الزمان بجسد له اكتاف وتحمل عليه همومها. و عندما تحمل الثقل على كتف الزمان فهو عمق معنى بليغ اي تسيير الوقت واثقالة بادارتها.
وينطلق البوح من مركز الثقل و لياليه الحالكة
ليصبح البوح أحيانا هذيان وتسرية عن النفس.
ومن صحوة وانفجار الصمت خرج البوح لينقي النفس لتصبح كتاب ابيض وتتجلى حروف البوح وتنزلق دمعة تغسل العين والقلب.
وتصف الشاعرة ان دمعتها الحرى قد حيراتها هل تدعها على الورق وقد جف المداد ام تلقها في البحر سيد الأسرار . و تصف ارضها اصبحت بورا قاحلة من الحنان وحرارة قلبها قد فضحته الاحزان. ولكن تنزع الشاعرة نزعة إيمانية بان السماء لها ارحم والله بها يعلم.
تكثر الشاعرة من الصور الشعرية التي تخدم النص وتصف ان الكلمة التي لجمتها ولم تسطع اخرجها قد خرجت بوحا جميلا يرطب النفس ويريح العقل والفكر.
فهي تدخل في النفس البشرية وتحليلات علم النفس ان البوح نوع من العلاج الروحاني الذي يسري عن القلب والعقل ينقي النفس لتعود طاهرة من شوائب ومتاعب الحياة..
تص زجلي بلغة جميلة يعبر عن النفس البشرية واختلاجات القلب من الاحزان والهموم. صور شعرية راقية الحبكة، ووزن موسيقي جميل فيه لوعة الحزن ظاهرة على اللحن.
شاعرتنا المبدعة وفاء ام حمزة جليدي اجدت وابدعت وامتعت سلمت يداك.
بقلم الاستاذ مصطفى البدوي

بصمات نقدية الصوفي الصافي
*************************
‎ دراسة ذرائعية أحادية المدخل في ديوان ( لا تصدقي الكمنجات ) الشاعر ( أحمد بوحويطا أبو فيروز) ================ عنوان الدراسة المستقطعة : الاحتمالات المتحركات في ( لا تصدقي الكمنجات )
------- الدراسة الذرائعية من إعداد : الصوفي عبدا لرحمان / المغرب ---------------
==== ============= مقدمة ====================
لقد أصبح التداخل بين الأجناس الأدبية سيمة العصر الحديث ، خاصة بعد التحولات الكبيرة التي عرفها فضاء الإبداع العربي على مستوى كتابة النص وقراءته منذ عقود ، وقد ظلت هذه التحولات محط سؤال عريض ، فأفضت الإجابة عنه إلى مقاربات تتفاوت في منظورها ومنهجا ، ومع ذلك ، فإن مجال الدراسات الأدبية والنقدية ما زالت تكتنفهما الكثير من الغموض المفاهيمي ، وخاصة حين يتعلق الأمر بتصنيف الإبداع الأدبي ، وهذا يرجع بالدرجة الأولى إلى التقاطع بين الأجناس الأدبية ونظرية الأدب ، من ناحية وبين الأجناس وتحليل الخطاب من ناحية ثانية ، وهوما يجعل تداخل الأجناس مسألة في غاية التعقيد . إن التداخل بين الشعري والسردي يعكس تحولا كبيرا في الأدب العربي عموما والمغربي خصوصا ، مما يستدعي الوقوف على أبعاده المتعددة المختلفة .
إن المتأمل للمنهاج الشعري العربي الزاخر بالتجارب الشعرية، والتي كانت لها مساهمات كبيرة في تطوره ، و في انفتاحه على مقومات أسلوبية أثرت الخطاب الشعري ، بل إنها أبعدت النص الشعري عن روح الخطابة الغنائية الفجة إلى روح الاحتفاء بصوت النص في تعالق مع الذات التي يمنحها السرد إمكانية هائلة للتعبير عن الرؤية الشعرية .
= ============== توطئة =====================
سنقوم بدراسة ذرائعية مستقطعة أي أحادية المدخل لديوان ( لا تصدقي الكمنجات ) ، ومدخل الدراسة هو (الاحتمالات المتحركة في النصوص شكلا ومضمونا) ، وهو واحد من مداخل النظرية الذرائعية في التطبيق المتعددة المداخل ، وهذه المداخل هي ( المدخل البصري – المدخل السلوكي الاستفزازي – المدخل الاستنباطي أو التقمصي – المدخل اللساني – المدخل العقلاني أو التناص – البؤرة التابثة أو الاستاتيكية في النصوص – الاحتمالات المتحركة أو ديناميكية النصوص – الخلقية الأخلاقية للنصوص – التقييم الرقمي الساند ) .
لا يعني هذا أنه خلال غوصنا سنهمل المداخل الأخرى ، بل هي أدوات من أدوات الغوص التي لا ينبغي إغفالها أو التخلي عنها . حاضرة معنا بقوة تنير لنا طريق دراسة الديوان بمدخل ( الاحتمالات المتحركة في النصوص شكلا ومضمونا ) .
التجأت لدراسة الديوان بمدخل واحد حتى لا أرهق القارئ في قراءة دراسة قد تمتد لأكثر من أربعين صفحة
======== ( الاحتمالات المتحركة في النصوص شكلا ومضمونا )===========
يقول الدكتور عبدا لرزاق عودة الغالبي في كتابه (الذرائعية في التطبيق ) : (من تلك المحطة - أي الاحتمالات المتحركة في النص – ينطلق الناقد المتبصر بمجريات النص الداخلية وملاحقة حلقات الأفكار المتصلة فيما بينها بالتحليل ، واللهاث خلف الدلالات والرموز والأفكار المتعاقبة والمكملة لبعضها . فيسلك سلوك صياد اللؤلؤ ، كلما غاص عميقا كان صيده وفيرا ودسما ...)
نبدأ الغوص في نصوص الديوان طالبين الله تعالى العون والسداد .
النهي في عنوان الديوان ( لا تصدقي الكمنجات ) هو من المعاني والأساليب التي لا يستغني عنها الكلام ، والنهي لغة ضد الأمر ، للنهي في اللغة العربية أداة واحدة وهي جازمة وتختص بالدخول على الفعل المضارع ، فتقيد جزمه سواء كان المخاطب حاضرا وغائبا ، والنهي من المبادئ العقلية المنطقية المشتملة على ما يلي:
مكون التماثل : ويقوم بناؤه من خلال إجراء مقارنة بين شيئين إما حاضرين معا أو حاضر وغائب ، وغايته الرقي بذوق القارئ لفهم الشعر ، والشاعر بدوره يرفض النزول إلى الابتذال والبساطة .
مكون الاحتمال والتوقع : نتوقع فيه شيئا مستقبلا بناء على معطيات متوفرة في الحاضر ، وهذا من بين الأسباب التي أدت بالشاعر إلى تكسير الحدود بين السردي والشعري ، والعلامة الدالة على هذا المبدأ حضور حرف السين الدال على المستقبل في معظم قصائد الديوان .
مكون الافتراض : لقد أوجد الشاعر علاقة مفترضة بين متغيرين يتبع أحدهما الآخر، مستقل عنه ومؤثر فيه ، على اعتقاد أنه كلما ازداد الوضوح في الشعر قل تذوقه ونقده .
مكون التبديل : تطرح قصائد الديوان بديلين يكون أحدهما مؤديا إلى نتيجة معينة ، أي إما الاجتهاد والنجاح أو الاستكانة فالفشل .
مكون التضمين : وبما إن الشعر الحديث يوظف الرموز والأسطورة فمن ألطبعي أن يكون غامضا ، فظاهرة الغموض أعم وأشمل من ظاهرة الرمز والأسطورة ففي الكون الكثير من الأشياء الغامضة .
ما علاقة الخيال بالواقع ؟ ما دور العاطفة في اشتغالها على ملكة التخيل ؟ هل يعني الخيال الحضور أم الغياب ؟ ألا يمكن أن يصبح الخيال ملكة غير متحكم فيها ؟ وإلى أي حد يمكن استعمال الخيال لإنتاج الشعر والأدب عموما ؟
كل هذه المكونات السالفة الذكر هي الأدوات والوسائل التي تصاحبنا في غوصنا في نصوص الديوان .
يقول الشاعر (أحمد أبو فيروز ) في ديوانه ( لا تصدقي الكمنجات ) في قصيدة ( ولو في الخيال )
ولو في الخيال ...
خذ مفاتيح جسدي
ترضعك موجتي ملحها
وكن لي عرابا جذابا
يفسح للخريف تدبير مهنته
لكي يلطف مناخ عينيك
لا يؤديها سوء ظنك بالهديل
أتبخر فيك كاملة
ولو في الخيال .
الإنسان في هذا الكون هو سيد الأبعاد بقدرته إدراك واكتشاف العالم الواقعي المحيط به ، والإدراك لا يرتبط بالحواس فقط ، بل له علاقة مرتبطة بالأشياء وتمكين الذاكرة من استعادة الماضي كماضي ، وظيفته نفسية تسترده في حدود فترة زمنية محددة ، وبخيال متوجه نحو المستقبل ، متحررة من الواقع وحاجاته الملحة لخلق عالم من خلال إبداع حمل رؤيا ومعاناة وأحلام . إن الأشكال العليا للخيال تعبر عن نفسها أفضل تعبير في الابتكار والخلق التي تلعب فيه العاطفة دورا كبيرا .
إن تحصيل ثقافة العصر شرط أساسي لنمو الخيال الخلاق المنتج للإبداع الممتع الرصين . الخيال ليست وظيفته مستقلة جامدة منفصلة عن الشخصية التي يرتبط بها ، له وظيفة ديناميكية فاعلة تعبر عن وعي الإنسان وعن بنيته النفسية .
يقول الشاعر في نفس القصيدة ( ولو في الخيال )
ولو في الخيال ...
كن ما تريد
فأنت حر في خيالك
كن جابيا لضرائب القلب
كن قويا
كالعناكب في بيوتها
كن رعشة تهز عروش السنديان
كن نبيا .
لقد حملت الكثير من قصائد الديوان كلمات متكررة ( الحمام / الهديل ) و ( الحصان / الصهيل ) . الحمام عند العرب أزواع منها الأطواق والفواخت والقمري وساق حر ...ألف البيوت وتحفل به الكثير من الأشعار العربية والآداب العالمية عبر مد العصور، سواء في أغاني الطرب ، أو المواويل ، أو المقطوعات الشعبية الزجلية ، أوالموشحات ... الحمام رمز السلام والعفة ، وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما خرج مهاجرا من مكة إلى المدينة ، بعد أن طارده الأعداء ، فلجأ مع صديقه إلى غار، وعندما وصل الكفار وجدوا على باب الغار نسيج عنكبوت وقد عششت حمامة عند الغار ، كما أن قصة نوح عليه السلام في الطوفان ورد ذكر الحمام ، وفي الديانة المسيحية فإن الحمامة تمثل الروح القدس الذي يرمز إلى الطهارة والعفة .
ولحمامة أبي فراس الحمداني شأن كبير في أشعاره ، حيث يقول :
أقول وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا ، هل تشعرين بحالي ؟
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا تعالي أقاسمك الهموم تعالي
وقال أبو العلاء المعري في داليته الشهيرة :
غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شاد
أبكت تلكم الحمامة أم غنت على فرع غصنها المياد
إن ثقافة الإنسان العربي مازالت ترتبط بشكل كبير بالطبيعة العذراء ، فحين تسمع كلمة الحصان أو الجمل أو السلوقي أو الحمام ... ترد إلى ذهن المتلقي تلك الألوان الزاهية ونبرات الأصوات الجميلة ، حيث يسرح الفكر مع أسراب الحمام ويحلق بعيدا ، وهذا يؤكد رغبة الإنسان في التحليق منذ القديم . الشاعر أكثر الناس حساسية ، يحلق دوما عاليا بأفكاره ووجدانه وعاطفته ...رمزية الحيوان أو الطيور متأصلة في التراث الأدبي العربي ، فهي تشاطره أحلامه وأحزانه وفرحه وآلامه ، وهي كذلك ظاهرة في الشعر المعاصر والقصيدة الحديثة ، وسمة مشتركة بين الشعراء ، وعلى مستويات متفاوتة من حيث الرمز البسيط إلى الرمز الأعمق . ومن الملاحظ أن بداية ظهور الرمز تجسدت في بيئة الفلاسفة والصوفية الذين أرادوا لأفكارهم أن تكون حية متحركة ، وقصائد الديوان لم تخرج عن مضمار العمق الفلسفي الذي غلب على الكثير من القصائد .
يقول الشاعر (أحمد بوحويطا أبو فيروز ) في قصيدة ( لا تصدقي الكمنجات )
لا تصدقي خفة دم الكمنجات حين تضحك
لأمي على ذمتها تراب وزيت وغمام
فنحن كالحجل نحب شمس حزيران
ولا نفسد على الفراشات قيلولتها
نخاف على ذكريات يحرسها زوج حمام .
جاء النفي مصاحبا لفعل مضارع مجزوم ، تختص بها لا الناهية وتدخل عليه . والصدق يعني مطابقته للواقع ، أما الكذب فيعني عدم مطابقته للواقع . الصدق أنواع عديدة منه : الصدق في القول ، الصدق في النية والإرادة ، الصدق في العمل ، الصدق في الوعد والوفاء به ...وكل هذه المعاني جاءت مصحوبة بنهي ( لا تصدقي الكمنجات ) ، أي طلب التكذيب من ياء المخاطبة التي تنفتح على دلالات ورموز كثيرة ، منها المتعلق بالذاتي ومنها المتعلق بالموضوعي . الكمنجة حسب علم الموسيقى هي آلة وترية ذات قوس ، وهي تحتوي على أربعة أوتار، ويوصف صوتها بالحنان والحزن وهي من أرقى المعازف ذات الصوت الذي يلامس الروح والوجدان ولها القدرة على التعبير عن المشاعر الإنسانية التي يحس بها الإنسان . أمام كل هذه الإغراءات فإن الشاعر طلبه من مخاطبته عدم تصديق الكمنجات التي أصبحت مجرد رمز دال على الشر المندرج ضمن الصراع الأكبر بين الخير والشر.
حزيران هو الشهر السادس من السنة الميلادية ، حسب الأسماء السريانية المستعملة في المشرق العربي ، وله علاقة وطيدة بالنكبة والنكسة العربيتين ،
يسمي العرب نكسة 67 ويسميها العدو الصهيوني بحرب الستة أيام ، إنه تاريخ يذكر الإنسان العربي بزرع كيان عنصري احتل الأراضي الفلسطينية ، شهر موجود في اللاشعور الجمعي وحاضر في ذهن المثقف والمبدع العربي . ولحزيران تاريخ سجلته الطبقات المسحوقة بمداد الفخر ضد الطبقة المخزنية المسيطرة في المغرب ، وتسجل قصيدة (علال تابت ) جزءا منه يقول في قصيدته :
أشهد يا حزيران
في يومك العشرين
وطني أنار الدرب
والنصر مشتعل
في هذه القصيدة سيتم ذكر قائمة شهداء النضال في المغرب من العمال والطلبة والقادة الحزبين ، ورد ذكر ( سعيدة – زروال – دهكون – رحال – مهدي – عمر) ، وكل هذه الأسماء معروفة في تاريخ المغرب ، أو الفترة التي يطلق عليها سنوات النار والحديد أو الجمر والرصاص ، وذكرت في القصيدة مدينة الدار البيضاء والأحداث الأليمة التي عرفتها والتي كان معظم ضحاياها من الفقراء .
النكبة والنكسة العربيتين أضيفت لهما نكبات سجلها التاريخ ، مثل سقوط الأندلس
وحملات الاستعمار الأوروبي الشرسة على البلدان العربية ، ومما خلفته من آثار كارتية على مستلزمات الحياة المختلفة ، وبما أنها نكبات فقد أجدت شرخا في البنى الاجتماعية على كل المستويات ، من الصعب اعتبارها محطات عابرة عبر التاريخ العربي الحديث ، إنها سكنت لا شعوريا معالم الثقافة والفكر والأدب ، وكان وقعها مدويا خاصة على المتطلعين إلى نهضة عربية . والشاعر واحد من المبدعين ، إذ لا يمكن إخراجه عن حلقة الفكر الجمعي الذي يتناسى ولا ينسى . دعوته صريحة إلى المراجعة والتصحيح ، مع التشريح المؤلم للواقع العربي ، مع نبرة عدم الركوع والاستسلام .
يقول الشاعر محمد الماغوط في قصيدته ( بعد تفكير طويل )
قولوا لوطني الصغير الجارح كالنمر
إنني أرفع سبابتي كتلميذ
طالبا الموت أو الرحيل
ولكن
لي بذمته بضعة أناشيد عتيقة
من أيام الطفولة
وأريدها الآن .
إن اختلاف الشعراء في نظرهم إلى النكسة القطرية أو العربية ، أو إلى أي حدث اجتماعي أو سياسي آخر لا ينفي أن يكون الهدف والمبتغى واحد ، ويبدوا أن العالم العربي لا يمثل استثناء من حيث استقرار الفرد النفسي والاجتماعي ، أو من حيث علاقة الفرد بالمنظومة السياسية والاجتماعية .
يقول الشاعر ( أحمد بوحويطا أبو فيروز ) في قصيدة ( أنا أغبط طيور البجع )
لكن السجن أحب إلي فيهما من عطر ليمونة
يتبعني ويتبعني
وأنتما تتشدقان بالحب
أن يوسف مر بالقرب مني كنز الأنوثة
لكنني لم ألتفت
وأنتما تحضان إخوتي ضدي
فما ذنبي يا أبي
أن أزور بإذنهما غياهب الجب .
لقد استلهم العديد من الشعراء قصة يوسف عليه السلام كتناص خفي في أشعارهم ، عن طريق المخيلة التي توازي القصة من حيت المعاناة مع الشر ، كما جاء في القصة عداء الإخوة مسكونة بالحسد(إخوة يوسف ) ، والخيانة الزوجية ( زوجة العزيز ) والتآمر على الآخر( السجن ) .
الشاعر التجأ في القصيدة ل (يوسف ) للتعبير عن تجربة معاصرة ، ولرمزية القناع في الشعر الحديث شأن عظيم ، فعلاقة القناع بالرمز علاقة الجزء من الكل والخاص بالعام ، وقد اتخذ الشاعر يوسف للتعبير عن ذاتيه الفردية والجماعية ، برؤية قائمة على التفاعلية الإنجازية من خلال أفعال القصيدة .
يقول الشاعر أبو فيروز في قصيدة (من هو ؟ )
بألف مجداف ...
طائر أسطوري بلا أجنحة
هو من يجعل خوفك أزرق
وقلبك أحمق
يختزل الإعصار في قطرة .
خلف كل لغة شعرية طبقة من الإشارات والرموز الأسطورية ، بكل ما فيها من تجسيد للأهواء والمشاعر ، تؤثر في نسيج الشعر الداخلي وهيكله العام ، فهناك جدر مشترك بين الحكاية الشعبية والخرافة والأساطير ، وهي جميعا تبعث عن الخيال الخصب الذي يتجاوز الواقع ، ويتخطى حدود الزمان والمكان ، ويمزج بين أحلام الإنسان وما يحس به ، من خلال تصوير مختلف الزوايا النفسية .
في قصائد أخرى أصبحت الأسطورة ملاذ الشاعر لتخطي همومه الذاتية ، محاولا خلق البديل الأكثر إشراقا وجمالا ، فأصبحت النافذة التي يرى من خلالها الشاعر الفرح والتفاؤل ، لأنها تخلق حالة توازن نفسي مع المحيط والمجتمع .
من لا يفهم الشعر ينظر إلى النصوص مجرد كلمات يقرؤها أو يحاورها أو يكتب حولها إنشاء ويسميه نقدا يسيء به إلى نفسه وإلى الأديب ، وكأن النظريات النقدية كان واضعوها حمقى أو مجانين ، بل الأحمق والمجنون من يتخلف عن ركب المعرفة الإنسانية ... النقد علم وليس خربشات تكتب تائهة . الناقد ينظر إلى الإبداع ككائن حي القصيدة فيه تنطق ، ، تصرخ ، تبكي ، تغضب ،تثور، تهدأ ، تعشق ، تحب ، تكره ، تبتسم ، تضحك ، تحزن ...الناقد يعيش مع الإبداع في كل حالاته ، من أجل استخراج جماليته المضمونية والشكلية .
================= خاتمة ===========================
أتمنى أن أكون وفقت في الغوص وملاحة الرموز والدلالات ، وهي كنز تزخر بها القصائد في ديوان الشاعر أبو فيروز ( لا تصدقي الكمنجات ) ، وكما سجل على غلاف الديوان ( تجربة شعرية ، كسرت الحدود بين الشعري والسردي بشكل لافت جدا . تقوم رهانات الخطاب هنا على ثنائيات إحداهما تتمركز في حضور صيغة النهي – لا – لتولد الآفاق الأخرى التي تغييبها تكتسي طابعا وجوديا ...لا للنهي نعت سلسلة من الأفراح الكاذبة التي تلبسها بعض حركات الوجود . إن لحظة دق الطبول يترع الكلام على مصراعيه ويباح الكلام ما قد يختصر في جرة كمنجة ...وصوتها مجون في الذاكرة الشعبية . لكنه يخفي وجعا وجوديا .)
================== عبدا لرحمان الصوفي / المغرب ============

دراسة نقدية مستقطعة عنوانها ( التجربة الإبداعية من خلال الشخصية المبدعة والذات المفكرة ) قصيدة ( حوار الذات ) ، الشاعرة ( بديعة اﻹدريسي ) Badia Elkadioui Elidrissi



الدراسة النقدية المستقطعة ( أحادية المدخل ) من إعداد الناقد اﻷدبي الذرائعي ( عبدالرحمن الصوفي ) 
دراسة نقدية مستقطعة عنوانها ( التجربة الإبداعية من خلال الشخصية المبدعة والذات المفكرة ) قصيدة ( حوار الذات ) ، الشاعرة ( بديعة اﻹدريسي ) Badia Elkadioui Elidrissi
======================== تقديم ==================
الشخصية المبدعة في تكون مستمر ، لأن التجربة اﻹبداعية تنبني في كل لحظة مستعينة بما يتجمع لديها من تجارب ، فهي دوما ( الشخصية المبدعة ) تتغير باستمرار وبدون انقطاع بحثا عن التميز عن التجارب الأخرى السابقة والمعايشة لها ، وكذلك لا تتكرر في حالات أعماق نفسية واحدة بعينها راسية مستقرة ، حتى لو بدت في بعض الحالات النفسية في الظاهر حالة واحدة ، بل إن التحربة والشخصية المبدعة لا تقبل اﻹعادة لنفسها بشكل روتيني نمطي ...
الشخصية المبدعة تنمو وتكبر وتنضج بغير انقطاع ، وكل لحظة من لحظاتها هي بمثابة شيء جديد ينضاف إلى ما قبله ، ويكننا أن نذهب إلى أبعد حد مؤكدين أن الجديد المنضاف ليس جديدا فحسب ، بل نحن أمام إنتاج غير متوقع ولا يمكن التنبؤ به من شخصية مبدعة ...
من خلال هذا التقديم حول الشخصية المبدعة سنغوص في نص القصيدة المعنون ب ( حوار الذات ) للشاعرة ( بديعة اﻹدريسي ) من خلال المفتاحين التاليين :
- مفتاح الشخصية المبدعة / التجربة اﻹبداعية القصيدة ( حوار مع الذات )
- مفتاح الذات المبدعة المفكرة في القصيدة ( حوار مع الذات )
================================================
بسم الله الرحمن الرحيم
---------------- مفتاح الشخصية المبدعة / التجربة اﻹبداعية في النص --------------
ليس شرطا أن تقدم الشخصية المبدعة معان جديدة غير مسبوقة ، لكن المطلوب في كل إبداع أن يبتكر الشاعر بأسلوبه شيئا جديدا من صور وأفكار ... وقصيدة الشاعرة تدخل في باب ما يسطلح على تسميته باﻷدب النسوي ، حيث تناولت فيها معان مفيدة باسلوب فيه نسبة مبيانية من الجدة ، يحتوي على معان عميقة تذهب بنا بعيدا في دلالات رمزية ومعنوية عالية تثير في النفس خواطر كثيرة ...
تقول الشاعرة في مطلع قصيدتها : ( حوار مع الذات )
كنت مجرد سراب 
وجعلت لك من الحب 
أشياء غير مستحقة 
بنيت لك عالما في القلب 
بحماقتي فتحت لك 
اﻷبواب 
ثم فشلت في قانون 
الجذب 
واﻵن يا ذاتي أقف أمامك 
أنعي هذا الحب
هناك صور شعرية مخبوءة لم نكن نتنبأ بها ونحن نقرأ القصيدة ( حوار مع الذات ) ( فشلت في قانون الجذب ) ( أنعي هذا الحب ) ، صور بسيطة غير منقسنة تكسب العناصر المجردة طابعا نشخصا او مؤنسنا وتنظيما لغويا حيا ، وحس التنبؤ كذلك موجود عند الشخصية المبدعة للشاعرة ، فهي لا تسقط على المستقبل ما أدركته في الماضي ، فنحن لا نتصور داخل القصيدة تأليفا لعناصر قديمة سبق لنا إدراكها ...وصف صادق عن حالات نفسية ، منظور إليها على أنها لحظة حية لا تنفصل مطلقا عن تاريخ الشخصية المبدعة ، لأنها ترتكز على فرديتها غير المنقسمة ، مضافا إليه في القصيدة ما يجيء به الحاضر ، نحن أمام لحظة جيدة أصيلة من لحظات تاريخ الشخصية المبدعة للشاعرة تاريخ حي متجدد لا يقل عنها أصالة .
كفاك ذاتي ألوان العذاب 
كفاك هذا الجرح الغائر 
وقد كان الصد أبلغ من 
القدر
القصيدة إناء عقلاني للخلق والتواضع والمثل العليا ، فالشخصية المبدعة للشاعرة قد تتوازى مع خبرات نسوية سابقة لها من خلال المواكبة والرقي والارتقاء والاغتاء ...
---------------------- مفتاح الذات المبدعة المفكرة في القصيدة -----------------
الجسم النصي اﻹبداعي هو كل مكتوب يشغل حيزا محسوسا أو ملموسا ، وبالتالي يمكن أن نحسه باللمس او السمع او النظر او التذوق ، فهو له القدرة على التحرك والتحريك مثله مثل الذات / الإنسان ، ذهن او روح او الفكر أو عقل ، فتصبح الذات المجتمع المنظم للسيرورات والأحوال التابعة للذات المبدعة التي هي هيأة فريدة ، ويمكن ملاحظتها في القصيدة من خلال كاف المخاطبة ( كفاك مكررة ) ، استاجابات ضرورة إبداعية لنفس المثيرات ...والثابت رسالة إنسانية موجهة للذات ومن خلالها المجتمع ...
تقول الشاعرة في قصيدتها ( حوار الذات ) :
تتصاعد الحيرة والهوان 
أكثر 
اكتشفت أن المكان ليس 
لي مقدر 
وقد أحسست انه خداع 
كبير 
سأشيع هذا الحب في 
مواكب الدهشة 
هذه أنت ذاتي تصبحين 
مقبرة 
فيكفينا نحيبا على أطلال 
محبرة 
قد جف مدادها والدمع 
صنع حفرة
إن التنشئة الاجتماعية للذات المفكرة تعيش عملية تطورية لاكتساب معارف ، قيم ، رموز ...أي تفكير وإحساس بالجماعات والمجتمع واﻵخر والحضارة التي تكون الذات المبدعة المفكرة مطالبة بأن تعيش فيها ، وهذه العملية تبدأ عند الولادة لتتابع طول الحياة ولا تصل حدها إلا مع الموت ..فالتنشئة الاجتماعية مشتقة من المجتمع والثقافة فتصبح جزءا مؤسسا للذات المفكرة المبدعة التي قد تخنق او تكبح بل وتقمع من طرف ثقافة مجتمع ، مما جعلها/ الذات المكرة ذات مستوى انفعالي عبرت عنه العاطفة النصية من خلال تمثلات وصور ومعارف وأفكار ...فباستيعاب عناصر الثقافة تنمو التجربة الشعرية والقدرات العقلية وتتمكن من خلق عناصر ثقافة وإبداع جديد ....
تقول الشاعرة في ( حوار الذات ) :
تعالي ذاتي نلملم بعضنا 
وننسى 
سرابا خلقناه عنفوانا 
نجتر خيباتنا 
ونعيد زرع زهورها 
فقد بنيت برعما يسعدنا
=================== خلاصة ======================
القصيدة ( حوار الذات ) للشاعرة ( بديعة اﻹدريسي ) ، هي مجموع تساؤلات منها ماهو فلسفي وجدلي أو احتماعي وسياسي ...هذه التساؤلات قد تلقي بشباكها على الناقد والقارئ فتستفزه بمفاتن نصية إبداعية داخلية وخارجية ...وكل جواب عن هذه التساؤلات يشترط الالتصاق بالوضع الاجتماعي للمرأة ، والصراع الذي يخوضه اﻹنسان في معترك الحياة ...
===================== عبدالرحمن الصوفي / المغرب ==========
..........حوار مع الذات.........
كنت مجرد سراب
وجعلت لك من الحب
اشياء غير مستحقة
بنيت لك عالما في القلب
بحماقتي فتحت لك الابواب
ثم فشلت في قانون الجذب
والان يا ذاتي اقف امامك
انعي هذا الحب
كفاك ذاتي الوان العذاب
كفاك هذا الجرح الغائر
وقد كان الصد ابلغ من القدر
تتصاعد الحيرة والهوان اكثر
اكتشفت ان المكان ليس لي مقدر
وقد احسست انه خداع كبير
ساشيع هذا الحب في مواكب الدهشة
هذه انت ذاتي تصبحين مقبرة
فيكفينا نحيبا على اطلال محبرة
قد جف مدادها والدمع صنع حفرة
تعالي ذاتي نلملم بعضنا وننسى
سرابا خلقناه عنفوانا
نجتر خيباتنا
ونعيد زرع زهورنا
فقد ينبت برعما يسعدنا
.............بقلم بديعة الادريسي........

الأحد، 29 يوليو 2018

قراءة في قصيدة خريف النقيضين. للشاعرة القديرة خديجة بوعلي.


Mustafa Albadawi
********

قراءة في قصيدة خريف النقيضين. للشاعرة القديرة خديجة بوعلي.
عندما نمعن القراءة نبحث عن دلائل تفك شفرات النص الرمزي.
والرمزية هي إصطلاحات متفق عليها في اللغة يتم تأويلها لتخدم هدف الاديب والشاعر.
الرمزية ليست إصطلاحات فردية يتم اختراعها من الكاتب ولا يفقهها سواه. بهذا تفقد القصيدة المعنى ونحتاج للشاعر ان يفسر لنا رموزه الهيروغليفية او الخرافية.
وشاعرتنا اعتمدت رمزية عالية الدقة مالوفة التحليل جميلة الاداء خدمت النص بقوة واصبغت عليه حلة جميلة جدا. 
تحليل القصيدة.
الخريف فصل غير محبب كون فيه تساقط الحياة. وتتعرى الشجر ليظهر حقيقة اغصانها ، فترى اللحاء يتقشر عن ضعف في بنية الساق وجفاف مساماته. ولكن وجوده مهم لاكتمال دورتها.
والنقيضين هما الشيئان الذي لا يجتمعان معا في جسد واحد. مثل الوجود والعدم والحركة مع السكون. والحزن مه الفرح وغيرها.
وخريف النقيضين هو مقتبل العمر مع الكهولة . حيث يهرم الجسد قبل اوانه.
وهنا تريد الشاعرة ان تجمع النقيضين دلالة على كثرة الهم تجعل الانسان يشرف ويصبح كهلا. .
تتربص بك النهايات. وكأن نهاية العمر اقتربت من شدة الالم.
والنهاية لحظات سواء كانت حلوة او شديدة المرار ستأتي مثل الأقدار.
وتدور الدوائر متربصة بالنفس الانسانية ان قفي ها قد جئت دونما سابق إنذار دون تاجيل او تاخير. . فتكسو الجسد بالهرم والتجاعيد وتذهب تضاريس الجمال وبهاء المحيا. لتقطع الامل مثل قطع الحبل السري. ومثل فصل البحر عن شواطئه. لترقص النوارس معلنة ان هناك حالة وفاة وعليها الانقضاض على بقا يا الجسد المتهالك.
صورة وجدانية تبحر في وصف الالم والاسى الى ابعد الدرجات.
نص رمزي متين. ولغة سليمة وبيان في تصوير الحالات بدقة متناهية. آخذة من التشبية البلاغي اَوَجُهُ لترسم لوحة يجتمع فيها النقيضين في خريف العمر.
شاعرتنا القديرة خديجة بوعلي. لقلبك العذب ازهار محبة ولشخصك الراقي رقي واحترام واكثر. اجدت وامتعت واوجعت .
محبات بوسع الفضاء الجميل ورحابة اختي الرائعة الأستاذة وشاعرتنا القديرة خديجة بوعلي.
النص :
خريف النقيضين
وبك تتربص النهايات
طوفان ،يغرق شطآن الفصول في لحظات
يقبر ظلال الغابات ...
حلوة كنت ... أو شديدة المرارات
تتربص بك الدوائر ،
تخترق عقارب الفترات .
تغتصبك بعد بضع مدارات .
منتصبة ... معلنة :
"أن قفي "آخر العلامات .
لا تأجيل ولا لمدك تأخيرات .
طوفان لغاث يغرق تضاريسك الوعرة
أو البهية اللمحات .
تقطع الحبل السري ،
بين البحار والجنبات .
تجلي النوارس ، من وكر الألفة ،
و من اعشاش المودات .
تستبيح بكارة اسارير المسرات ،
تقيم للموت سجدات ورقصات .
خديجة بوعلي
المغرب

محمد مومني وشعرية الصورة الهاربة من ذات منسية تكتب لوجودها حياة في ديوان : ما شفت بحال صبرك ياصبري.

سعيد فرحاوي


************
ج1.
محمد مومني وشعرية الصورة الهاربة من ذات منسية تكتب لوجودها حياة في ديوان : ما شفت بحال صبرك ياصبري.
خير مااستهل به هذه المقاربة التي لن اسميها عاشقة، لان من خصائص هذه الاخيرة هو العبور المقاربتي المبني على اللذة في كل مرور ، كما تتهرب من وقع المصاحبة المسؤولة المبنية على تصور نظري معين، قلت هذا لان متابعتي له ستكون مسؤولة من زاوية انها ستفك اشارات مشفرة برؤية ذات ببعد نظري محدد، وعليه ساتبنى كل مااراه مسعفا لاخراحي من دوامات كتابة ارادت لنفيها التميز، من هنا وفي هذه المغامرة ساكتب متجها صوب مااسعفتني فيه رؤى منهجية تعتمد الدرس النظري المعروف في مجال ماعلمني الله سبحانه وتعالى من مناهج ، بدون ان اذكر اسمها، ولكن ساتبناها كاليات للاشتغال. لهذا اسمحوا لي ان اطلت في هذه النقطة، كما اعتذر ان كانت هذه المقاربة نوعا ما طويلة، على اساس انني ساسير وفق طريقة التجزئ حتى لااتعب القارئ الذي قل صبره وهو يغوص في مقال قد تمتد صفحاته مايناهز اربعين صفحة تقريبا. كما لن اخفي ان قلت طريقة اشتغالي ستكون من داخل النصوص، لاان اموه نفسي بمقدمات نظرية اصبح الكل يعرفها، لان المطلوب هو انصاف المبدع، ذلك بتكليم ماكتب، كما سنركز على معطيات اغفلها الكاتب او انفلتت منه وهو يشق رحلة كتابة جد معمقة بصيغة تشفير الخطاب واخفاء الدلالة لتحقيق شعرية من مستوى رفيع.
ابدأ بالعنوان كاول عتبة يطل علينا منها محمد مومني ليتكلم معنا بلغة الكبار، هي عتبة لانها تخفي ماتخفي، اولا باعتماد معجم بسيط ، وفي عمق بساطته تتعمق الرؤيا وتصعب الدلالة وتختفي المقصديات بتركيز جد معمق. هذه شكلت اشارة اولى ، اساسها النفي في فعل( ما شفت)، فمعجم( ما شفت ) تمثل بداية او احالة على نفي مطلق ومستمر في الزمن بشكل قطعي، الى جانب انها منطلق بلغة نفي مرفق برؤية ، هنا ليست بصرية بقدر ماانها وجودية وانسانية ودائمة ، فالذات هنا تتوجه الى غائب وحاضر في نفس الوقت، لان الامر هنا يعني الصبر، شاعر ينفي قطعيا برؤية مطلقة و بنظرة حياتية ووجودية، مخاطبا صبره ، هذا الذي لم ير مثيلا له /( صبر صبره)، فيخرج الوقع او الفعل من ذات ليحتكم الى صبر اخر ، متعجبا بصيغة النفي على اساس ان هذا الصبر المتكلم عنه لم ير الشاعر صبرا نظيرا لهذا الصبر ، فنخرج بفهم تقريبي يفيد ان النفي هنا سيتحول الى تعجب ليصبح المعنى يفيد ان الشاعر يتعجب من صبر الصبر ، كما نفهم ان موضوع التعجب هو اخراج الحقيفة من ذاته ليحولها الى ذات اخرى، لها صلة بذات منهكمة، الا وهي تجليات مؤشرات اولى بدلالة خفية تطرح ان القادم هو تفسير لالم غابر في كتابة ماكرة .السؤال هنا : كيف يتعجب الشاعر من صبر صبره؟ بصيغة اخرى: هل للصبر صبر اخر؟ فنصبح امام صبرين: صبر الشاعر وصبر الصبر، فتتقوى الدلالة لتتحول الى عمق اقوى يشير ان الامر تعدى الحدود والصبر تجاوز الحد المطلوب، وهي كل اسئلة لها علاقة بموضوع واحد وهو : متى يصبر الانسان؟ وماالداعي لهذا الصبر؟ ولماذا تحولت الذات من صبرها لتناقش صبر صبرها؟ . فتكون الاجابة واحدة، من كل هذه الاحالات نشير ان دلالة ان الصبر تعدت الحدود ، لان الوجع اصبح في وضع لم يطاق. الشيء اللذي سيجرنا مباشرة الى نصوص ديوان ( ماشفت بحال صبرك ياصبري)، ليحدد لنا وطن الوجع، وفلسفة الالم ، لنعثر على ملامح شعرية التبعثرات النفسية والمادية في كتابة الجرح او في بوح الصبر المطلق، هي كلها متاهات ستشكل لنا بداية لمقاربة تعيش في دوامة البحث عن مكامن الالم في شعرية تعدت فيها ملامح الصبر جغرافية التشظي ليكتب لنا عن تمظهرات حياة بصيغة شعرية الفن الجميل الذي يرسم اجراح ذات تخرج من صيحتها لتكتب عن اخر مرفق بها ، يكلمها ليهجرها ، فيصبح نقيضا لها، كما يعيش فيها لانه يؤمن بان الحياة داخل الكينونة ستشكل منطلق الهجرة داخل ذات باغتراب جد مثير .
تلك مكامن رحلتنا في دوامة محمد مومني، نتأملها ، نعيشها، نتيه فيها، نهرب من طعنانها الدافئة ، واخيرا نحدث صمتها لعلنا نقدر على ملامسة عطرها ، المضمر بصيغة البوح الصامت.
******
بقلم سعيد فرحاوي

السبت، 28 يوليو 2018

دراسة نقدية تحليلية : لقصيدة ( عندما يقسم الحلم ) للشاعرة المغربية : مليكة الجباري ..

دراسة نقدية تحليلية : لقصيدة
( عندما يقسم الحلم )
للشاعرة المغربية : مليكة الجباري ..
بقلم : محمد الطايع ..
1 - مقدمة :
ليست سهلة على الإطلاق مهمة الغوص في معاني قصائد الشاعرة المغربية الكبيرة : مليكة الجباري .. فهي لاتكتب لمن يظن أن ظاهر النص وحده كفيلا بأن يجعله متذوقا وقارئا عاشقا لما تنثره من قصيد .. فلابد لمن يريد بلوغ مرتبة التآلف والإنسجام مع نصوصها التي تتسم بالقوة من أن يتسلح بمهارة غواص عليم بفن تأويل الرؤى الأدبية التي ترفض أن تكون مجرد جمل عابرة بين رواق القول الشعري ، ببراعة وقداسة تتعامل شاعرتنا مع فن تمرير الرسائل وكأنها برديات كنوز ثمينة ، لإيمانها الأكيد أن للشعر كرامة لاتقبل أن ينتقص من قدرها ، عزيز الغاية صانع مجد وحياة وليس وسلية ترفيه وتسلية ، فهو رمز الهوية وهو لغة الوجدان ، وتاريخ الإنسانية .. لذلك نلحظ وبوضوح ومن خلال تتبعنا لتجربتها الشعرية المشهودة ، ترفعها عن المواضيع المستهلكة التي تستهوي الكثير من الشاعرات ، وعامة القراء الذين ينأون بأنفسهم عن كل خطاب مسؤول يحتاج عمقا وإنصاتا شديدا لمعاني الحياة ..
2 - تعريف مختصر وضروري للمنهجية المتبعة :
وأنا أهم بالكتابة عن القصيدة النثرية المتفردة ( عندما يقسم الحلم ) للشاعرة الكبيرة مليكة الجباري ، لم أخطط كثيرا لما سأقوله عنها فلست من عشاق الاوراق المسودة ، سواء تعلق الأمر بقراءة كهذه او قصيدة او نص قصصي ، مسوداتي داخل رأسي ، وقلمي غربال افكاري ، وطرقي في الحديث نفعية القصد ، أكره اجترار الأحاديث ، وأنأى بنفسي عن الغموض ، وكثرة الاستشهادات ، ولقد أعلنت هذا مرارا فيما سبق وكتبته ، فالغاية عندي تقريب النصوص وتدليلها من عامة القراء ، ولست أضع نفسي موضع الإنابة عن أحد ، ولا ألزم قلمي بأكثر مما يطيق ، ولا أرغمه على تقليد غيري ، إنما أدندن حول النصوص التي تستفزني ، بما أعلم وما أراه مجديا ، حتى أنني لا أتخير بين طول وقصر ما سأكتبه ، فإن النص الاصلي هو من يمنح أسباب الحديث ، فلايكون التوقف إلا بإحساس خالص بالكفاية ، ورب جملة واحدة يتفجر من خلالها مجلد عملاق ، ومجلد عملاق تعصره فلاتخرج منه إلا بجملة ، كما أن طريقة التقسيم الشكلاني الثابت للدراسة لاتوافق رؤيتي ، لاعتقادي أنها ترغم النص الاصلي على الخضوع إلى قوالب ، منها ما يؤدي إلى التكرار ومنها ما يفرض السكوت عن أمر ما يظلمه السكوت عنه ، كما أن النصوص الأدبية حين تخضع لموازين وترسيمات شكلية تعاني تباينا في توهج النص يختلف بين القوة والضعف عاطفيا ، فإذا الحشو شبه مفروض حتى وإن تم المعنى ، فيكون وجوب الالتزام بالشكل المرسوم مسبقا ، مكلفا على حساب نفس المبدع ، فيأتي بما يبدو اضافة لاطائل من ورائها ، فيكون فعل التمديد او التقليص ظالما للقول مؤذيا للإحساس ، وماينطبق على الإبداع ينطبق على النقد ، فكلاهما أدب ومن شروطهما جمال العبارة وجدية الخطاب ، ولا الزم أحدا بهذا ، بيد أني مصر أنه إذا قال بيت القصيد كل شيء ، كان كافيا للإستدلال على قصدية النص أو حتى فنيته ، بيد أن هذه الأخيرة في غالب الوقت تتطلب فعلا نوعا من التتبع والدراسة الكلية للإبداع ، خاصة فيما يتعلق باللغة والتجنيس والشكل ..
3 - العنوان وشرعية ثنائية الذات الحالمة ،
مع الإجابة على الأسلئة الضمنية العالقة :
من أجل إبراز ما تقدم ذكره في هذه الدراسة النقدية ، اخترت قصيدة ( عندما يقسم الحلم ) للشاعرة المغربية الكبيرة مليكة الجباري ..
- نموذجا - أستدل به على ما أنا به زعيم .. لما توفر لهذا النص من ثبات نسقي لايحتمل أسلوبا استقرائيا إلا أن يكون جادا في قراءته دقيقا في تدبره ..
من خلال العنوان ، عندما يقسم الحلم ، سنطرح وبطريقة تشبه العفوية ، الأسئلة التي لامناص من محاورتها ، ثم نأتي لها بالإجابة حتى لا ندع مجالا للشك ، بمدى صدق هذه التجربة ومدى قدرتها على استنطاق المعاني العديدة التي ظلت في حياتنا محط تأجيل ومداراة فكأن شاعرتنا مليكة الجباري جاءت لتفض نزاعا طال الجدل حوله ، أو لتحكم بين المتخاصمين فيما شزر بينهم ، وهذا دليل ملموس يؤكد قوة شخصية هذه المرأة التي ترفض جملة وتفصيلا تسطيح الفكر ، وتدجين العقول ، وتأجيل النهوظ بالأمة ، فهي تضع الواقع بين خيارين ، إما أن ينفض عنه غبار الوهم والوعود الزائفة ، أو فليعلن انزياحه لصالح المصالح التي تقصي الوعي الجماعي ، وتصنف الدنيا بما فيها ، منفعة ذاتية خالصة ..
في تمسك شاعرتنا بلفظة الحلم ، اعتراف صريح منها أن جميع القيم التي نروم بلوغها من إصلاح وانتصار ورقي ، ماتزال في حالة مخاض عسير ، وصراع مرير يحاور جدوى الإستعداد لما لم تكتمل شروط تحققه بعد ، لذلك ومن معاني الصراحة المطلقة ، إذ لامجال للكذب ، فهي غاضبة جدا من كل اشكال الزيف والخداع والوعود الواهية ، ومن اجل ذلك تمدنا ببيان اعتراض على جميع المفاهيم التي تعتمد أنصاف الحلول ، ليقينها أن النبتة الطيبة لاتسقى بالسم ثم تخضر بعد ذلك ، ولا تطعم شجرة التفاح بالحنضل ثم تكون ثمرتها صالحة ، وإذن هذا البناء المعوج من أساسه ، بناء عقلية الجماعة والفرد باعتباره فاعلا في مجتمعه ، يحتاج إلى إعادة ترسيم معالم طريقه ، وطرح كل أنواع الكذب جانبا .. فكأن شاعرتنا تقول : حسنا إن كل ما لدينا عدة لاجتراح آفاف الغد هو الحلم ، فلنجعله نقيا خالصا وقبل ذلك علينا أن نتفق أولا بشأن تحديد معالمه ، كي لانختلف فيما بيننا ، لكن أنى يتأتى لنا ذلك و الاتفاق أحادي الصوت ، وإذن فلنعتبر هذه النقطة إحدى السؤالات التي أشرنا إليها ليكون جوابنا كالآتي :
أولا ما تتضمنه القصيدة هو طرح وإدلاء بالرأي ، ثانيا إنها قصيدة شعرية بالمقام الأول وليست رسالة ولا بيان سياسي ، والشعر فن والفن تلميح ، والشعر نزوح إلى التخييل والرمز ، وتناص مع الموروث الثقافي والفني والأخلاقي بما في ذلك ما توافق بشأنه العرف والدين والمجتمع ، فالشاعر ابن بيئته ، والشعر أجاز لنفسه منذ عهوده الأولى أن يحاكي أحاسيس الفرد والذات والجماعة ، فكان لسان العزلة والحب والوله والحرب والنصح والفخر والحماسة ، وعلى كفيه نسجت أناشيد الشعوب ، مظلومة كانت أو منتصرة ، ولأنه أيضا هذا الجميل الانسيابي المرن القابل لشتى اشكال التنويع في الشكل والمضمون ، لايعجزه الحديث عن عصر دون آخر ولا التكلم بلغة دون أخرى ، قادرا على البوح بما يعتمل في نفس طفل صغير لم يبلغ الحلم بعد ، مثلما هو أهل لكي ينطق بأفكار حكيم او زعيم عظيم وهو يهدف إلى تعبئة وعي عام لأمة بأكملها ، من أجل هذا كله تحمل شاعرتنا هذا الفن ، فن الشعر ، مهمة تبليغ خطاب يجمع بين فضلية الكلام بما ينفع الناس ، وقيمة الإضافة المعرفية الفنية والتي من أوفى شروطها جمال العبارة ورونقها ، يقينا أن الشعر إمتاع ومؤانسة قبل كل شيء ..
حسنا إنه الحلم الذي وصفناه قبل قليل ، ورسمناه شكلا وحاولنا أن نوجد له شرعية الولادة ، يقسم (بضم الياء ) والقسم كما هو معلوم ، يأتي على قسمين جملة القسم وجوابه ، فجملة القسم تقترن بأحرف القسم ، وجواب القسم يكون إما جملة إسمية او فعلية ، وهو تأكيد لحالة غيبية فيكون القسم بمقدس عظيم يتفق الطرفان على جلاله وأهليته ، ولن أعطي هنا درسا في النحو فما اكثر المراجع وما أيسرها ، إلا انني أعتمد الاستدلال بما يخدم غاياتي ،
تقول الشاعرة في نهاية القصيدة :
وقسمي ..
أن نصادر الغفلة وهذا النوم الطويل ..
وكل تعب الجفون ..
لاتذكر مليكة الجباري هنا من هو المقسوم به ، وحسب قواعد النحو العربي ، هذا ما يسمى بحذف جملة القسم ، وهو أمر جائز مثلما يجوز حذف جواب القسم .. فيكون حال حذف جملة القسم كقولك ، لتقعدن ، لتخرجن ، وهو قسم يعتمد التوكيد فقط ، ومن القسم نوعان ، قسم العهد وقسم الميثاق ، فسمي المثال السابق قسم العهد فإذا اقترن باسم الجلالة أصبح ميثاقا غليضا ، ومن باب اللطائف إيرادنا لهذا الاستشهاد القرآني عن جواز حذف جواب الشرط .. وذلك مايوافق قوله تعالى : في سورة النازعات : /والنازعات غرقًا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة/ فجواب القسم هاهنا محذوف ، تقديره : لتبعثن أو لتحشرن ، ويدل على هذا ما أتى من بعده من ذكر للقيامة في قوله : / يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة / وهكذا حتى متم السورة الكريمة .. أما عن تقديرنا للمقسم به فهو الله سبحانه وتعالى ، وهنا نصل إلى مرحلة صعبة وشائكة في تأويل النصوص الشعرية عموما ..
أكثر ما نقرأ من نصوص معلومة هوية أصحابها وسيرهم ، ومن خلالها ينطلق القارىء في تأويله ، لكن إن كان الدارس يعتمد نهج فك رموز لغة النص وحدها وماتحمله من دلالات ، مثلما فعل البنيويون الذين يرفضون الرجوع إلى سيرة المبدع ، فإن التراكمات الإبداعية الكمية والنصوص الشعرية العربية خاصة ستؤدي بنا إلى تصنيف جل الأدباء خارج شرعية الدين الإسلامي ، لما يصدر عنهم من ضروب إبداعية تعمد في كثير من نماذجها وخاصة دعاة نهج الحداثة والثلة المتأثرة بالأدب الغربي ، وهي فئة تلغي كل فوارق مذهبية ودينية ، بل منها ماتتبنى نظريات فلسفية غربية إلحادية قد تخالف حتى العرف الأخلاقي السائد في الغرب ، لذا ولكي أكون منصفا مع نفسي أحبذ أن أنتهج الطريقة السهلة فألجأ الى ملء فراغات المحذوف والمضمر وما سقط سهوا في إبداع كاتب أو شاعر ما ، فأرجأ التأويل إلى ما أعرفه وعن يقين حول سيرته وقناعاته فالشاعر مواقف وليس مجرد كلمات ، فلايمكن أن نتحدث عن شعر عنترة دون أن نستعرض بطولته وشجاعته ، ولامعنى لفخر المتنبي إن لم نعلم قصصه مع سلاطين الدولة العباسية وكافور الإخشيدي حاكم مصر ، وطموحه أن يولوه على إحدى الإمارات ، وكم كان سيكون هزيل الاثر ، شعر الحب العذري الذي أطربنا به قيس بن الملوح لو لم نعلم عشقه وتيهه في الارض هياما بليلى الإخليلية وهكذا ..
وقياسا على هذا أجزم ان شاعرتنا مليكة الجباري المغربية المسلمة حاملة عزة اللغة العربية ومكانتها بين الثقافات ، تقسم بالله ، فلايجوز القسم لمسلم إلابه عز وجل تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
/ أَلاَ إِنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُم ْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِالله ِ، وَإِلاَّ فَلْيَصْمُت .. / وقوله أيضا :
ْ / مَنْ حَلَفَ بِشَىْءٍ دُونَ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ /.. وإنه لقسم مبرور ومبارك ..
ومن الأسئلة التي يمكن أن تبقى عالقة في ذهن القارىء .. مسألة ثنائية هوية المقسم ففي العنوان ( عندما يقسم الحلم ) ، فعل القسم مختص بالحلم بينما في السطور الثلاثة الأخيرة من القصيدة ، الشاعرة هي من تقسم عند قولها :
وقسمي ..
أن نصادر الغفلة وهذا النوم الطويل ..
وكل تعب الجفون ..
وهنا أرى أن هذا التنويع ، هو من قبيل الانحياز الفني البلاغي نحو فضيلة الإيمان بالشيء لدرجة التماهي معه ، والذوبان فيه ، ففي العنوان الذي هو ملخص للنص بما يطابق شرعية العنوان أدبيا ، تخبرنا الشاعرة أن الحلم هو من أقسم كنوع من اختصار الطريق إلى المعنى الإجمالي ، وتعميم القيم ورفع مستوى الهدف إلى درجة المثالية ، مع خلق التواضع وإنكار الذات وذوبانها في القضية التي تؤمن بها ، فلو أنها أرادت أن تنسب فعل القسم لنفسها في العنوان : ليكون هكذا : ( قسمي ) ، فإن ذلك من شأنه أن يلقي في روع القارىء أن النص ذاتي الطرح ، بينما هو نص يدور حول مصير أمة ..
مسألة أخرى نطرحها هنا .. ألا وهي إمكانية تساءل البعض عن الحلم هل يعقل القسم في حقه فعلا ؟! فإن الجواب في تحديد أنواع الحلم وماهيته ..
الحلم حسب تفاسير وتعريفات شتى هو مايراه الانسان في حالة النوم من تخييل يقول عنه علماء النفس تفريغ أحداث اليومي وتجسيد الرغبات والمطامح ، وفيه الرؤيا وهي نوع يسير جدا من أنواع انكشاف الغيب إذ ان لها أسباب تحقق وتأويلات لها أهل اختصاص ، والرؤيا إحدى طرائق الوحي الإلاهي للأنبياء ، والحلم ارتكازا على أحداثه حسب شرعنا ، رؤيا صالحة وهي حمالة البشارات ، وحلم مزعج يعرف بالكابوس ، وكلاهما منهي إخبار الناس به إلا لعاقل حكيم .. فلقد كانت رؤيا نبي الله يوسف صالحة لكن أباه نصحه ألا يبوح بها :
/ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ .. سورة يوسف الآية 5 .. /
/ وعَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ قَال :َ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَلَا تَقُصَّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ .. /
أما من حيث التأويل الشرعي كذلك للمسببات ، فهو ينقسم إلى أجزاء ثلاثة :
- تحديث النفس
- ووسوسة الشيطان
- والرؤيا الصالحة من عند رب العالمين والتي جاء في السنة النبوية ، أنها جزء من ستين جزء من النبوءة ..
وكلمة حلم يقصد بها أيضا الغاية والهدف والأمنية والمراد ، فإن هو عزز بعمل كان غاية ، وإن ظل مجرد رغبة لاتؤكدها أفعال حصر في معنى الأماني ومفردها أمنية ، لكن إن أصبح هذا النوع من التمني نوعا من الإنشغال عن الواقع ، أو كان بديلا عنه وتحول عادة وإدمانا أصبح إلى الوهم أقرب ، والوهم هو خلاصة كل شيء لاوجود له إلا في مخيلة الناس أو معتقداتهم الباطلة ، أو إدراكهم المخدوع ، فثمة مشاهدات بالعين وأخرى تسمع ، لكنها مجرد خداع سمعي بصري يعمد إلى إلباس الكذب اثواب الحقيقة دجلا واحتيالا ومنها الكلام المعسول والوعود الزائفة ، مستغلة قلة نضج الضحية او عدم انتباهها أو أن تكون مهيأة لهذا الوضع نتيجة عدة تراكمات معرفية خاطئة .. وهناك الكثير من حالات السقوط اللاواعي في حالة من السلب الإرادي الذي يعجز أعتى الأطباء والعلماء ومنه الجهل المركب ، ثم إن الوهم يكون سرابا إذا طلب ، وهو الهباء بعد الطلب ، لكن في عرف الكلام شفاهيا كان أم كتابيا ، يظل المعنى رهينا بالسياق ، فليس من يحلم باخضرار الارض بعد الشتاء ، كمن يحلم برجوع الماضي ، وليس الحالم بالحرية دون أن يطالب بها ، كالحالم بالحرية في ساحة النضال ، وقد صدق شوقي وكان له فصل الخطاب حين قال :
ومانيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا ..
لهذا من كان حلمه معزز بفعل جاد وعمل دؤوب وإخلاص في النية ، كان إلى تحقيقه أقرب ، ولأننا هنا وكما أسلفت سابقا في حضرة قصيدة شعرية وليست خطبة .. فإن الشعر مصنع الخيال وجسر الحلم ومطية الاماني ، ورسول الوجدان ، يمنح الحلم أجنحة ، ويعيره اللغة لسانا ، ثم يهبه كينونة فيكون المصدق لدعواه والمؤيد لأبعاده ، وهو مصوغ شرعيته ، فعلى لسان الشعر نطق الشجر وغنى القمر وباح الزهر بعشقه ، وانطلقت اناشيد الحياة صداحة ، وصرخة التحرر مدوية ، ثم عانق الحلم فنفخ فيه روح الحماسة وجرأة الإعلان عن وجوده ، فاستل منه وعده وأخذ عنه ميثاقه قسما ، جرى على لسان الشاعرة .. في آخر النص كما أوردت من قبل ..
5 - قراءة تحليلية لمطلع القصيدة :
ونحن نواصل قراءة قصيدة حين يقسم الحلم للشاعرة مليكة الجباري ..
نجدها تستهل القصيدة بالجمل الشعرية الآتية :
/ الأحلام قابضة في زمنك على الرجاء..
سنزرعها...
على مشارف الطريق إلى الحياة
نكاية بالغبار في أكف المردة ،/
نعود هنا للتحدث عن الحلم لكن بصيغة الجمع ، حيث تقول الشاعرة أن هذه الأحلام قابضة على الرجاء .. والرجاء هو ضرب من ضروب الأماني التي هي إحدى أنواع الحلم كما سبق وقلنا ، لكن الرجاء تحديدا هو طلب محدد معلوم لدى مريده ، يكون مرفوعا التماسا للرحمة والتعاطف والشفقة ، ومنه الرجاء المحمود كرجاء العبد لربه ولا اقصد هنا سوى الربوبية المطلقة لله سبحانه وتعالى ، فالعبد يبقى بين الخوف والرجاء إلى أن يلقى خالقه ، وهناك الرجاء المذموم ، وهو المستند على استدرار العطف معتمدا التوسل ممن ليس أهلا لذلك وهنا عقدة الحكاية كلها ، فهناك من يتوسل الموتى والقبور ، وهذا باطل في شرعنا الحنيف ، قال تعالى في سورة الحج الآية 73 :
/ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ /
فمن شروط معقولية الرجاء أن يكون معلوما لدى الطرفين الطالب والمطلوب ، من أجل غاية وقضاء حاجة وأرب ، لكن الميت لايسمع ولايرى فهو أشبه بالصنم المعبود في الديانات الوثنية ، وإذن لابد ان تتوفر في المعني بالرجاء الاهلية ، الفهم القوة والإرادة وكرم الجواب ، كرجاء الاحبة فيما بينهم ورجاء المرؤوسين للرؤساء ، بيد أن الرجاء إن كان غير محدد الوجهة شأنه شأن الرسالة التي لاتحمل عنوان المرسل إليه كان وهما ، وضربا من ضروب الأماني الباطلة ، وهنا أرى أن شاعرتنا ترمز لحالة من اليأس الاكيد من لاجدوى توسل الامة المقهورة حقها من غاصب لايمثل ترجيها له إلا حالة من حالات الذلة والمسكنة التي تأباها النفوس الأبية ، ومن هنا نعلم من المقصود بالخطاب في مطلع القصيدة ، حيث نرى الضمير المتصل وهو ضمير المخاطب الكاف ، مقرونا بالزمن ، عند قولها زمنك ، مما يجعلنا نستخلص أن الشاعرة تخاطب هذا المواطن المغلوب على أمره ، وتعري حقيقته البائسة أمامه :
/ الأحلام قابضة في زمنك على الرجاء../
وحتى لاننسى أحيانا يكون الإكتفاء بذكر المساوىء او المحاسن دون ذمها او الإشادة بها ، كافيا لإظهار الحقيقة .. وهكذا نرى الشاعرة لاتكتفي بالتفرج السلبي فهي تقترح البدائل ، وذلك جلي عند قولها :
/ سنزرعها...
على مشارف الطريق إلى الحياة
نكاية بالغبار في أكف المردة ،/
بمعنى هذه الأحلام والتي اوجدنا لها شرعية من قبل ، من الإهانة لها أن تعتمد على الرجاء ، وبالمقابل سنزرعها على مشارف الطريق ، الزرع فعل معلوم ، والحلم إذا حددت معالمه ، فكان هناك اتفاق بشأنه ، وماذلك سوى نهضة حضارية حقيقية تدعو الشاعرة إليها ابناء وطنها ، فهو علم وادب ونهج قويم ، سيزرع في قلوب وعقول الاجيال القادمة والتي هي فعلا رمز الحياة ..
لكن طبعا ثمة أعداء للنجاح كما يقولون ، ولأن هؤلاء الاعداء والذين سمتهم الشاعرة بالمردة والمردة هم عتاة الشياطين ، لن يبقوا مكتوفي الأيدي أمام هذه النهضة ، فمن أساليبهم ان يحاربوها ، والشاعرة هنا تدعو للسلم وليس للحرب ، فهي ضد الخراب بكل ألوانه ، لذلك نرى أن أقتراحها هو صادق جدا بحكم تجربتها الشخصية كسيدة تعليم وناشطة جمعوية ، ترى أن أحسن وسيلة للرقي بهذا المجتمع ، هي التربية الفاضلة والخلاقة للناشئة ، نكاية بالغبار في أكف المردة ، فهؤلاء الشياطين العتاة مهما فعلوا ومهما بالغوا في معاداة الانسانية من أجل مصالحهم الخاصة ، واهمون لأن كل الذي اكتسبوه من هذه الاحقاد ، هو الغبار ، وهذا تشبيه مجازي بليغ لأسوأ انواع الخيبات ..
6 - الخاتمة ..
حسنا لن أكرر نفسي وأتابع ملاحقة الاسطر الشعرية التي تتضمنها القصيدة كاملة ، وهذا ما أشرت إليه سابقا في فقرة ، تعريف مختصر وضروري للمنهجية المتبعة ، فلقد حاورت بيت القصيد ، والذي لا يلزم كما هو الشأن بالنسبة للقصائد العمودية أن يكون بيتا معينا بذاته ، لكن من شاء التحديد فهو استهلال النص وهو أمر محبب في الشعر ، كما هو الشأن بالنسبة لقصيدة أبي القاسم الشابي الشهيرة ( إرادة الحياة ) كما أننا قربنا مفاهيم ومدلولات العنوان .. تحليلا يعتمد تفسير المعنى وتأويل الخطاب وإزالة اللبس ، وكذا تيبان وبؤرة النص ونسقه العام ، فإن كنت عزيزي القارىء ترى أننا متوافقان فيما ذهبت إليه .. فلسوف تقرأ النص كاملا من خلال المنطلقات التحليلة نفسها ، وتعلم غاية الشاعرة ( مليكة الجباري ) ورسالتها ، وتتأكد أنها تعادي ثقافة التجهيل وترفض الوهم ، وتؤمن بالأحلام الحضارية المشروعة ، ثم تقدم الوعي كبديل سلمي تربوي يعد بالكثير ، وهذا كله يعبر عن مدى مدى جدية رؤيتها الحياتية والفنية والتزامها الأخلاقي الشديد نحو ماتؤمن به مجسدا في الطرح الفني الذي تتسم به هذه القصيدة وكذا عموم تجربتها الرائدة والفريدة ..
شكرا ..
7 - النص الاصلي :
عندما يقسم الحلم
الأحلام قابضة في زمنك على الرجاء..
سنزرعها...
على مشارف الطريق إلى الحياة
نكاية بالغبار في أكف المردة،
سنعري وجه الحقيقة المفقود...
على جبال لا تلتقي
سنوزع الصبابة المستعارة
لن نسمح بالتئام جسم بوجهين
حرفته التملص ليعود..
حتى.....
وحتى لا يتسول الرجوع
ادفنوا الغضب في قعر أفكار لزجة،
احملوا مشاعل النور..
ونشيد البراءة...
سنزرع احلام الطفل
نحتاج مجادف وأشرعة ونوافذ،
نحتاج صباحا بلا قواميس مجرورة
بلا مصطلحات مشكوك في ألسنتها....
الأيادي هنا وهناك...
جالسة القرفصاء ،
لحافها ضباب وجواب مقتول
سنخذلها....
سنكون على الضفاف المزروعة
هنا لن تكبر السنابل..
طهروا المسافات بكسر قرون الريح
الماء مسجون،
والزيت يستنزف الموائد.
تفردنا في لحن الأوهام
أيها الزمن الصعلوك ..
هويتنا مزركشة الألوان
لن ابكيك..
فلا تتعب ما بيننا وبينك،
ناولوني بالله ابتسامة ،
لم تتذوق ملوحة موج العيون.
وقسمي...
أن نصادر الغفلة وهذا النوم الطويل..
وكل تعب الجفون.
مليكة الجباري ..