قراءة مختصرة لقصة ( لا للتيه)
للاديبة مجيدة السباعي
تسرد فيها الكاتبة معاناة فتاة من خارج المدن. حياة الفقر والالم والاضهاد الاسري الذي يضطرها بقبول اي امر تعتبرة الخلاص لمشكلتها . تخوض الكاتبة في العوامل النفسية والصراع بين الفقر والحداثة. وتظهر لنا كيفية نظرة اهل الجبال والقرى النائية للمظاهر الكاذبة الخادعة والتي تنطلي عليهن بسبب الجهل وعدم التوعية والاضهاد الذكوري من عائلاتهن. وتصف بدقة وتفاصيل المشاهد وكاننا في فيلم درامي باخراج آلة تصويرية عملاقة . لتدخلنا في القصة فنصبح جزا مخفيا يتابع أبطال القصة فنغضب لهذا ونتعاطف مع الاخر.
وتبرز معالم المدينة وجمالها بتصوير راقي وكانها تضع موسيقى تصويريه مثيرة مرة وحزينة مرات اخرى. وتركز على الانتقال السهل من مشهد لاخر مبينة فظاعة الامر او جماله.
تسهب الكاتبة في ادق التفاصيل كي تظهر قدرة فريدة لكاتبة سيناريو القصة وكاننا الممثلين تارة وتارة أخرى الجمهور.
إبداع الكاتبة في وضع تمهيد لبداية القصة و تفاصيل احداثها وخاتمتها الجميلة. ولم تترك لنا حتى وضع النهاية فوضعتها بطريقة فنية جميلة على غرار الافلام السعيدة.
تبين الكاتبة الاصرار على الصبر والمثابرة والتغلب على العوامل النفسيه التي تخالجها الغيرة والكره الى تكييسها بنتائج محمودة وراقية. وتوعية الأجيال اللاحقة من عدم الوقوع بهذة المنزلقات الخبيثة.
تطرقت الكاتبة الى الزواج العرفي الشائع في مجامعاتنا ولاسبابة الكثيرة وعواقبه الوخيمة . والمحت بومضة عن الاعتراف بالمواليد ومشكلة الام بطريقة عرفية او اخرى تؤدي الى نفس النتائج.
لغة بليغة صحيحة وارفة المعنى والجمال تتخلل كل فقرة سواء بالوصف او التحليل النفسي.
ابدعت الكاتبة في طرح مشكلة اجتماعية من الطراز الاول على الصعيد الوطني او العربي.
برغم دقة التفاصيل جعلتنا نعيش احداث القصة وأماكن وقوعها والعارف لمدينة طنجة وضواحيها القصر الصغير واصيلة يسافر مع الحروف الى كل موقع بطريقة مشوقة وجميلة.
أشكر الكاتبة والناقدة مجيدة السباعي على جمال الطرح.
محبتي في الله بعدد نعمه.
مصطفى البدوي.
************************************************
لا ،لا للتيه
أسلمت منى البهية الجبلية الشقراء نفسها لهناء لا يقدر، وتملت (الشدة فوق اللام) بحلم مخملي ثمل ، وهي تسمع أول زغرودة طويلة مرجرجة ،تترنم بالفرح ،وتنثر البشائر تباعا، وخاصة تعلن قراءة أبيها للفاتحة مع خطيبها الثري منصف، ابن طنجة العالية عروس شمال المغرب.
كادت أن تطير فرحا وهي تتفحص هداياه المتراكمة الزاهية الألوان من أثواب جذابة ،ومساحيق فاخرة، وأكسسوارات، وأحدية بالكعب العالي تماما كما لبطلات الأفلام، أخيرا ابتسم لها القدر بعد أن كشر أزمانا، ورقصت لها الدنيا سخية، وصارت تتلاشى أمام عينيها كوابيس زوجة أبيها القاسية إلى غير رجعة .
نشوى أسرعت العروس منى إلى ارتداء فستان الفرح الأبيض ذي الأذيال المتناثرة و أ شرطة الساتان المذهلة ،وتجملت بطرحة الرأس البديعة والأقراط الذهبية والمساحيق الملونة، لم تنس ايضا أن تتمرن على المشي بالكعب العالي، لباس فاخرمذهل لامحالة أحالها ساندرلا الجبل، بل بهية الحسناوات .
كانت ما تزال قاصرا طرية العود فتية ،لم تتحنك بعد بتجارب الحياة ،ولم تلدغها بعد خيباتها ، ولا تدرك شيئا عن العواقب الوخيمة للزواج بالفاتحة، لذا لم ترد أن تنغص فرحتها بالتفكير فيما يعكر، فهو زواج زواج ووالدها من أذن لها ورضي ،ولو بدون حضور عدول أو توثيق لذى قاضي الأسرة ،إذ لم تصل بعد للسن القانوني للزواج، فكيف لها أن تفقه أنها سلبت في الخفاء، وقتلت جهرا؟
استسلمت منى لبهاء اللحظة ورونق الحفل ،وتأبطت مختالة متبخترة دراع زوجها الذي فاض قلبها له شغفا وتعلق ، ولسان حالها يشكره إذ انتشلها من رحم الأحزان، وخرجا معا إلى السيارة المزدانة بالورود وسط زغاريد تصم الآدان، وتتردد بكل أنحاء الجبل المدثر بأشجار الزيتون.
وهكذا انصاعت لقدر مجهول ومغامرة غير محسوبة العواقب ،ودخلت حياة غامضة من عنق الزجاجة بمحض إرادتها، وليس بحملها التراجع ولا الإعتراض.
بدا جليا أن منى انبهرت بمدينة طنجة الساحرة أيما انبهار، وثملت روحها لسحرها الفاتن، فلم يتردد زوجها السيد منصف أن أهداها بكرم حاتمي يوم سياحة بامتياز. فعرج بها أول الامر الى أحضان غابات الرميلات الأخادة ذات الظلال الوارفة، ثم تناولا وجبة فطور شهية ،على زقزقة أسراب النوارس بمقهى الحافة المشرفة على أمواج المحيط المتلاطمة، أما الغذاء فكان وجبة سمك فاخرة بأفخر مطاعم أشقار، حيث تعانق خضرة الجبل الشاهق مويجات البحر الممتد الساحر،كما لم يفته أن يعرفها بمغارة هرقل المعلمة التاريخية الثرية ،موضع ملتقى البحرين، حيث تصافح مياه البحر الابيض المتوسط مياه المحيط الاطلسي.
أوقات نشوى هنية حالمة هامسة راقصة عاشتها منى خلسة من الزمان الغادر، وأخيرا دخلت العروس البهية مملكتها الصغيرة، فيلا فاخرة بأجمل منتزه طنجوي بالقصر الصغير،و هي تنشد الأمل العريض وكل السكينة، لكنها فوجئت بزوج غرر بها، فظ غليظ القلب آمر، لا تستهويه إلا قارورة الخمر والسجائر، استحكم أسرها، وأوصد عليها كل الابواب والنوافذ، وعنفها بكل أنواع العنف اللفظي والجسدي ،وألبسها ثوب ذل، وجرعها المر، وأراها كوابيس و ليالي دهماء، فوأد أمانيها واغتصب فرحتها، وتركها تتخبط في الغصص والآهات، و رغم طعم الصدمة المريعة استسلمت لبشاعة المعاناة، وانصاعت كالدمية، وأخلدت للصمت، وظلت صامدة كصخرة الوادي ،اذ لم يكن لها خيار ،ولا من يوجد بجانبها يضمد جراح أمانيها العاثرات.
. ظل الامر على ما عليه مدة شهرين ،فظهرت عليها علامات الحمل ،استبشرت خيرا، حتما سيعيده الخبر السعيد لرشده ويجعله يتراجع عن غيه ،مزقت صمتها مضطرة لكن رد فعله كان غامضا، أخدها على متن سيارته بدم بارد، كشيء يتخلص منه ومما يحمل الى ضيعته بضواحي مدينة اصيلة الساحلية ،دون أن ينبس ببنت شفة ،وتركها مع الفلاحين لتساعد في حلب الابقار، وبالتالي تربح لقمة عيشها ،كانت كمن أنزلها الى غياهب بئر على حين غفلة من سمائها الضحوك ،ورغم ذلك انتظرته وترقبت عودته طويلا بالباب الكبير.
نعم دون سابق خلاف أو شنآن غادر وتركها بلا حماية، تتلظى بلهيب الخدلان، تتخبط بانكسارها ،تئن من وزر القهر، تكبلها قيود الخيبات ، وتجلدها الاحزان، مقهورة وقفت متسمرة شاردة ،متحسرة بين شظايا كرامتها، منكسرة الخاطر، غارقة في دوامة الحيرة، تقضم أصابع الندم ،وبكت بدون دموع ،وهي تتحمل أوزار الوحدة ونظرات الفلاحين ووشوشاتهم.
بعد طول تفكير حاولت جاهدة أن تبتلع غصتها ،فعاشت أياما مريرة من الغبن والتوجس والانتظار، تطاردها كوابيس اللامبالاة أينما حلت. لكن رق القدر و شاء أن تقاسم غرفة المهندسة الفلاحية لأنها مهما حدث زوج رب الضيعة نعم ولو بالفاتحة، فكانت مناسبة ذهبية لتطالع كتبا عدة متراكمة بأنحاء الغرفة ،وهي الحاصلة على الشهادة الابتدائية تقرأ جيدا وتفقه المعاني، ولها أستاذة قديرة.
أزهر فصل الربيع ومد بسطه المزركشة عبر الروابي والسهول فعاد منصف فجأة، لكن ليس وحده برفقة عروس بهية ،وردة متفتحة وأيضا قاصر، أغلب الاحتمال تنتشي بيومها الاول قبل أن يجرعها الويلات ويديقها الخيبات، تجاهل منصف منى كأنه لم يرها يوما، وتعالت قهقهته منشرحا، وعانق عروسه المغفلة قاصدا الإصطبل ليفرجها على أجمل الخيول العربية، طفح بمنى الكيل، واستشاطت غضبا ،وشعرت كأن المطارق تهوي على رأسها، بل كأن روحها تحتضر، هنا انفلتت أعصابها، وترصد بها الوسواس الخناس، وراودتها فكرة الإنتقام، فجرت كسهم طائش لتهوي على المنصف الدنيء بالمعول وتشج رأسه، لحظتها شعرت بوخز من جنينها تذكيرا بوجوده، وتوسلا ألا تنجرف وراء غضبها الى عالم الجريمة ،وعتمة الزنزانة ،وعثرة الندم. كيف لها أن تعرض جنينها ليفتح عينيه بين المسجونات وغياهب السجن دون تهمة ارتكبها.
.سرعان ما تداركت الامر، ورأت أن آن الأوان لتطرح معطف التبعية والمهانة وصدإ القلب ، فحاكت إكليلا من العزم الهادف، ولملمت شظايا نفسها ، ورسمت لها ألف باب يفضي للأمل بفضل قراءاتها اللامتناهية ،فالقراءة وحسن استثمارها كفيل برتق كل العثرات، وكأن قميصها أعاد لعينيها نورالبصيرة، هكذا أصرت أن تكون إيجابية ،وصارت كل زوال تقصد عاملات الضيعة للتوعية والتنوير،والتحسيس، والإقناع ،وهذه بعض توجيهاتها.....
-البنت ليست سلعة تباع، ولا تتزوج بالفاتحة قبل السن القانوني للزواج ،لكي لا تسحق كسيجارة.
-الزواج بدون وثائق يعطي أبناء بدون هوية.
-الجهل ظلام معتم دباح، لتنر كل فتاة ما حولها بالعلم والعرفان.
-إذا عثرت فلتقم من الحفرة بكل عزم ،فالزمان كفيل بتضميد الجراح، وفقط بالعفاف تتجمل وبمحاربة الأمية تتسلح.
كل يوم كان عدد الآدان المصغية تزداد ،إلى أن زارها المخاض وهي في حصتها اليومية، فأحاطتها الفتيات عناية بمعية الطبيب البيطري، إلى أن أنجبت ابنة بهية سمتها نجاة ،ووعدت نفسها أن تحميها من كل العثرات ، ساعتها تمنت أمنية واحدة أن تضع رأسها على ركبتي أمها الفقيدة.
مجيدة السباعي
للاديبة مجيدة السباعي
تسرد فيها الكاتبة معاناة فتاة من خارج المدن. حياة الفقر والالم والاضهاد الاسري الذي يضطرها بقبول اي امر تعتبرة الخلاص لمشكلتها . تخوض الكاتبة في العوامل النفسية والصراع بين الفقر والحداثة. وتظهر لنا كيفية نظرة اهل الجبال والقرى النائية للمظاهر الكاذبة الخادعة والتي تنطلي عليهن بسبب الجهل وعدم التوعية والاضهاد الذكوري من عائلاتهن. وتصف بدقة وتفاصيل المشاهد وكاننا في فيلم درامي باخراج آلة تصويرية عملاقة . لتدخلنا في القصة فنصبح جزا مخفيا يتابع أبطال القصة فنغضب لهذا ونتعاطف مع الاخر.
وتبرز معالم المدينة وجمالها بتصوير راقي وكانها تضع موسيقى تصويريه مثيرة مرة وحزينة مرات اخرى. وتركز على الانتقال السهل من مشهد لاخر مبينة فظاعة الامر او جماله.
تسهب الكاتبة في ادق التفاصيل كي تظهر قدرة فريدة لكاتبة سيناريو القصة وكاننا الممثلين تارة وتارة أخرى الجمهور.
إبداع الكاتبة في وضع تمهيد لبداية القصة و تفاصيل احداثها وخاتمتها الجميلة. ولم تترك لنا حتى وضع النهاية فوضعتها بطريقة فنية جميلة على غرار الافلام السعيدة.
تبين الكاتبة الاصرار على الصبر والمثابرة والتغلب على العوامل النفسيه التي تخالجها الغيرة والكره الى تكييسها بنتائج محمودة وراقية. وتوعية الأجيال اللاحقة من عدم الوقوع بهذة المنزلقات الخبيثة.
تطرقت الكاتبة الى الزواج العرفي الشائع في مجامعاتنا ولاسبابة الكثيرة وعواقبه الوخيمة . والمحت بومضة عن الاعتراف بالمواليد ومشكلة الام بطريقة عرفية او اخرى تؤدي الى نفس النتائج.
لغة بليغة صحيحة وارفة المعنى والجمال تتخلل كل فقرة سواء بالوصف او التحليل النفسي.
ابدعت الكاتبة في طرح مشكلة اجتماعية من الطراز الاول على الصعيد الوطني او العربي.
برغم دقة التفاصيل جعلتنا نعيش احداث القصة وأماكن وقوعها والعارف لمدينة طنجة وضواحيها القصر الصغير واصيلة يسافر مع الحروف الى كل موقع بطريقة مشوقة وجميلة.
أشكر الكاتبة والناقدة مجيدة السباعي على جمال الطرح.
محبتي في الله بعدد نعمه.
مصطفى البدوي.
************************************************
لا ،لا للتيه
أسلمت منى البهية الجبلية الشقراء نفسها لهناء لا يقدر، وتملت (الشدة فوق اللام) بحلم مخملي ثمل ، وهي تسمع أول زغرودة طويلة مرجرجة ،تترنم بالفرح ،وتنثر البشائر تباعا، وخاصة تعلن قراءة أبيها للفاتحة مع خطيبها الثري منصف، ابن طنجة العالية عروس شمال المغرب.
كادت أن تطير فرحا وهي تتفحص هداياه المتراكمة الزاهية الألوان من أثواب جذابة ،ومساحيق فاخرة، وأكسسوارات، وأحدية بالكعب العالي تماما كما لبطلات الأفلام، أخيرا ابتسم لها القدر بعد أن كشر أزمانا، ورقصت لها الدنيا سخية، وصارت تتلاشى أمام عينيها كوابيس زوجة أبيها القاسية إلى غير رجعة .
نشوى أسرعت العروس منى إلى ارتداء فستان الفرح الأبيض ذي الأذيال المتناثرة و أ شرطة الساتان المذهلة ،وتجملت بطرحة الرأس البديعة والأقراط الذهبية والمساحيق الملونة، لم تنس ايضا أن تتمرن على المشي بالكعب العالي، لباس فاخرمذهل لامحالة أحالها ساندرلا الجبل، بل بهية الحسناوات .
كانت ما تزال قاصرا طرية العود فتية ،لم تتحنك بعد بتجارب الحياة ،ولم تلدغها بعد خيباتها ، ولا تدرك شيئا عن العواقب الوخيمة للزواج بالفاتحة، لذا لم ترد أن تنغص فرحتها بالتفكير فيما يعكر، فهو زواج زواج ووالدها من أذن لها ورضي ،ولو بدون حضور عدول أو توثيق لذى قاضي الأسرة ،إذ لم تصل بعد للسن القانوني للزواج، فكيف لها أن تفقه أنها سلبت في الخفاء، وقتلت جهرا؟
استسلمت منى لبهاء اللحظة ورونق الحفل ،وتأبطت مختالة متبخترة دراع زوجها الذي فاض قلبها له شغفا وتعلق ، ولسان حالها يشكره إذ انتشلها من رحم الأحزان، وخرجا معا إلى السيارة المزدانة بالورود وسط زغاريد تصم الآدان، وتتردد بكل أنحاء الجبل المدثر بأشجار الزيتون.
وهكذا انصاعت لقدر مجهول ومغامرة غير محسوبة العواقب ،ودخلت حياة غامضة من عنق الزجاجة بمحض إرادتها، وليس بحملها التراجع ولا الإعتراض.
بدا جليا أن منى انبهرت بمدينة طنجة الساحرة أيما انبهار، وثملت روحها لسحرها الفاتن، فلم يتردد زوجها السيد منصف أن أهداها بكرم حاتمي يوم سياحة بامتياز. فعرج بها أول الامر الى أحضان غابات الرميلات الأخادة ذات الظلال الوارفة، ثم تناولا وجبة فطور شهية ،على زقزقة أسراب النوارس بمقهى الحافة المشرفة على أمواج المحيط المتلاطمة، أما الغذاء فكان وجبة سمك فاخرة بأفخر مطاعم أشقار، حيث تعانق خضرة الجبل الشاهق مويجات البحر الممتد الساحر،كما لم يفته أن يعرفها بمغارة هرقل المعلمة التاريخية الثرية ،موضع ملتقى البحرين، حيث تصافح مياه البحر الابيض المتوسط مياه المحيط الاطلسي.
أوقات نشوى هنية حالمة هامسة راقصة عاشتها منى خلسة من الزمان الغادر، وأخيرا دخلت العروس البهية مملكتها الصغيرة، فيلا فاخرة بأجمل منتزه طنجوي بالقصر الصغير،و هي تنشد الأمل العريض وكل السكينة، لكنها فوجئت بزوج غرر بها، فظ غليظ القلب آمر، لا تستهويه إلا قارورة الخمر والسجائر، استحكم أسرها، وأوصد عليها كل الابواب والنوافذ، وعنفها بكل أنواع العنف اللفظي والجسدي ،وألبسها ثوب ذل، وجرعها المر، وأراها كوابيس و ليالي دهماء، فوأد أمانيها واغتصب فرحتها، وتركها تتخبط في الغصص والآهات، و رغم طعم الصدمة المريعة استسلمت لبشاعة المعاناة، وانصاعت كالدمية، وأخلدت للصمت، وظلت صامدة كصخرة الوادي ،اذ لم يكن لها خيار ،ولا من يوجد بجانبها يضمد جراح أمانيها العاثرات.
. ظل الامر على ما عليه مدة شهرين ،فظهرت عليها علامات الحمل ،استبشرت خيرا، حتما سيعيده الخبر السعيد لرشده ويجعله يتراجع عن غيه ،مزقت صمتها مضطرة لكن رد فعله كان غامضا، أخدها على متن سيارته بدم بارد، كشيء يتخلص منه ومما يحمل الى ضيعته بضواحي مدينة اصيلة الساحلية ،دون أن ينبس ببنت شفة ،وتركها مع الفلاحين لتساعد في حلب الابقار، وبالتالي تربح لقمة عيشها ،كانت كمن أنزلها الى غياهب بئر على حين غفلة من سمائها الضحوك ،ورغم ذلك انتظرته وترقبت عودته طويلا بالباب الكبير.
نعم دون سابق خلاف أو شنآن غادر وتركها بلا حماية، تتلظى بلهيب الخدلان، تتخبط بانكسارها ،تئن من وزر القهر، تكبلها قيود الخيبات ، وتجلدها الاحزان، مقهورة وقفت متسمرة شاردة ،متحسرة بين شظايا كرامتها، منكسرة الخاطر، غارقة في دوامة الحيرة، تقضم أصابع الندم ،وبكت بدون دموع ،وهي تتحمل أوزار الوحدة ونظرات الفلاحين ووشوشاتهم.
بعد طول تفكير حاولت جاهدة أن تبتلع غصتها ،فعاشت أياما مريرة من الغبن والتوجس والانتظار، تطاردها كوابيس اللامبالاة أينما حلت. لكن رق القدر و شاء أن تقاسم غرفة المهندسة الفلاحية لأنها مهما حدث زوج رب الضيعة نعم ولو بالفاتحة، فكانت مناسبة ذهبية لتطالع كتبا عدة متراكمة بأنحاء الغرفة ،وهي الحاصلة على الشهادة الابتدائية تقرأ جيدا وتفقه المعاني، ولها أستاذة قديرة.
أزهر فصل الربيع ومد بسطه المزركشة عبر الروابي والسهول فعاد منصف فجأة، لكن ليس وحده برفقة عروس بهية ،وردة متفتحة وأيضا قاصر، أغلب الاحتمال تنتشي بيومها الاول قبل أن يجرعها الويلات ويديقها الخيبات، تجاهل منصف منى كأنه لم يرها يوما، وتعالت قهقهته منشرحا، وعانق عروسه المغفلة قاصدا الإصطبل ليفرجها على أجمل الخيول العربية، طفح بمنى الكيل، واستشاطت غضبا ،وشعرت كأن المطارق تهوي على رأسها، بل كأن روحها تحتضر، هنا انفلتت أعصابها، وترصد بها الوسواس الخناس، وراودتها فكرة الإنتقام، فجرت كسهم طائش لتهوي على المنصف الدنيء بالمعول وتشج رأسه، لحظتها شعرت بوخز من جنينها تذكيرا بوجوده، وتوسلا ألا تنجرف وراء غضبها الى عالم الجريمة ،وعتمة الزنزانة ،وعثرة الندم. كيف لها أن تعرض جنينها ليفتح عينيه بين المسجونات وغياهب السجن دون تهمة ارتكبها.
.سرعان ما تداركت الامر، ورأت أن آن الأوان لتطرح معطف التبعية والمهانة وصدإ القلب ، فحاكت إكليلا من العزم الهادف، ولملمت شظايا نفسها ، ورسمت لها ألف باب يفضي للأمل بفضل قراءاتها اللامتناهية ،فالقراءة وحسن استثمارها كفيل برتق كل العثرات، وكأن قميصها أعاد لعينيها نورالبصيرة، هكذا أصرت أن تكون إيجابية ،وصارت كل زوال تقصد عاملات الضيعة للتوعية والتنوير،والتحسيس، والإقناع ،وهذه بعض توجيهاتها.....
-البنت ليست سلعة تباع، ولا تتزوج بالفاتحة قبل السن القانوني للزواج ،لكي لا تسحق كسيجارة.
-الزواج بدون وثائق يعطي أبناء بدون هوية.
-الجهل ظلام معتم دباح، لتنر كل فتاة ما حولها بالعلم والعرفان.
-إذا عثرت فلتقم من الحفرة بكل عزم ،فالزمان كفيل بتضميد الجراح، وفقط بالعفاف تتجمل وبمحاربة الأمية تتسلح.
كل يوم كان عدد الآدان المصغية تزداد ،إلى أن زارها المخاض وهي في حصتها اليومية، فأحاطتها الفتيات عناية بمعية الطبيب البيطري، إلى أن أنجبت ابنة بهية سمتها نجاة ،ووعدت نفسها أن تحميها من كل العثرات ، ساعتها تمنت أمنية واحدة أن تضع رأسها على ركبتي أمها الفقيدة.
مجيدة السباعي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق