دراسة نقدية تحليلية : لقصيدة
( عندما يقسم الحلم )
للشاعرة المغربية : مليكة الجباري ..
بقلم : محمد الطايع ..
( عندما يقسم الحلم )
للشاعرة المغربية : مليكة الجباري ..
بقلم : محمد الطايع ..
1 - مقدمة :
ليست سهلة على الإطلاق مهمة الغوص في معاني قصائد الشاعرة المغربية الكبيرة : مليكة الجباري .. فهي لاتكتب لمن يظن أن ظاهر النص وحده كفيلا بأن يجعله متذوقا وقارئا عاشقا لما تنثره من قصيد .. فلابد لمن يريد بلوغ مرتبة التآلف والإنسجام مع نصوصها التي تتسم بالقوة من أن يتسلح بمهارة غواص عليم بفن تأويل الرؤى الأدبية التي ترفض أن تكون مجرد جمل عابرة بين رواق القول الشعري ، ببراعة وقداسة تتعامل شاعرتنا مع فن تمرير الرسائل وكأنها برديات كنوز ثمينة ، لإيمانها الأكيد أن للشعر كرامة لاتقبل أن ينتقص من قدرها ، عزيز الغاية صانع مجد وحياة وليس وسلية ترفيه وتسلية ، فهو رمز الهوية وهو لغة الوجدان ، وتاريخ الإنسانية .. لذلك نلحظ وبوضوح ومن خلال تتبعنا لتجربتها الشعرية المشهودة ، ترفعها عن المواضيع المستهلكة التي تستهوي الكثير من الشاعرات ، وعامة القراء الذين ينأون بأنفسهم عن كل خطاب مسؤول يحتاج عمقا وإنصاتا شديدا لمعاني الحياة ..
2 - تعريف مختصر وضروري للمنهجية المتبعة :
وأنا أهم بالكتابة عن القصيدة النثرية المتفردة ( عندما يقسم الحلم ) للشاعرة الكبيرة مليكة الجباري ، لم أخطط كثيرا لما سأقوله عنها فلست من عشاق الاوراق المسودة ، سواء تعلق الأمر بقراءة كهذه او قصيدة او نص قصصي ، مسوداتي داخل رأسي ، وقلمي غربال افكاري ، وطرقي في الحديث نفعية القصد ، أكره اجترار الأحاديث ، وأنأى بنفسي عن الغموض ، وكثرة الاستشهادات ، ولقد أعلنت هذا مرارا فيما سبق وكتبته ، فالغاية عندي تقريب النصوص وتدليلها من عامة القراء ، ولست أضع نفسي موضع الإنابة عن أحد ، ولا ألزم قلمي بأكثر مما يطيق ، ولا أرغمه على تقليد غيري ، إنما أدندن حول النصوص التي تستفزني ، بما أعلم وما أراه مجديا ، حتى أنني لا أتخير بين طول وقصر ما سأكتبه ، فإن النص الاصلي هو من يمنح أسباب الحديث ، فلايكون التوقف إلا بإحساس خالص بالكفاية ، ورب جملة واحدة يتفجر من خلالها مجلد عملاق ، ومجلد عملاق تعصره فلاتخرج منه إلا بجملة ، كما أن طريقة التقسيم الشكلاني الثابت للدراسة لاتوافق رؤيتي ، لاعتقادي أنها ترغم النص الاصلي على الخضوع إلى قوالب ، منها ما يؤدي إلى التكرار ومنها ما يفرض السكوت عن أمر ما يظلمه السكوت عنه ، كما أن النصوص الأدبية حين تخضع لموازين وترسيمات شكلية تعاني تباينا في توهج النص يختلف بين القوة والضعف عاطفيا ، فإذا الحشو شبه مفروض حتى وإن تم المعنى ، فيكون وجوب الالتزام بالشكل المرسوم مسبقا ، مكلفا على حساب نفس المبدع ، فيأتي بما يبدو اضافة لاطائل من ورائها ، فيكون فعل التمديد او التقليص ظالما للقول مؤذيا للإحساس ، وماينطبق على الإبداع ينطبق على النقد ، فكلاهما أدب ومن شروطهما جمال العبارة وجدية الخطاب ، ولا الزم أحدا بهذا ، بيد أني مصر أنه إذا قال بيت القصيد كل شيء ، كان كافيا للإستدلال على قصدية النص أو حتى فنيته ، بيد أن هذه الأخيرة في غالب الوقت تتطلب فعلا نوعا من التتبع والدراسة الكلية للإبداع ، خاصة فيما يتعلق باللغة والتجنيس والشكل ..
3 - العنوان وشرعية ثنائية الذات الحالمة ،
مع الإجابة على الأسلئة الضمنية العالقة :
مع الإجابة على الأسلئة الضمنية العالقة :
من أجل إبراز ما تقدم ذكره في هذه الدراسة النقدية ، اخترت قصيدة ( عندما يقسم الحلم ) للشاعرة المغربية الكبيرة مليكة الجباري ..
- نموذجا - أستدل به على ما أنا به زعيم .. لما توفر لهذا النص من ثبات نسقي لايحتمل أسلوبا استقرائيا إلا أن يكون جادا في قراءته دقيقا في تدبره ..
- نموذجا - أستدل به على ما أنا به زعيم .. لما توفر لهذا النص من ثبات نسقي لايحتمل أسلوبا استقرائيا إلا أن يكون جادا في قراءته دقيقا في تدبره ..
من خلال العنوان ، عندما يقسم الحلم ، سنطرح وبطريقة تشبه العفوية ، الأسئلة التي لامناص من محاورتها ، ثم نأتي لها بالإجابة حتى لا ندع مجالا للشك ، بمدى صدق هذه التجربة ومدى قدرتها على استنطاق المعاني العديدة التي ظلت في حياتنا محط تأجيل ومداراة فكأن شاعرتنا مليكة الجباري جاءت لتفض نزاعا طال الجدل حوله ، أو لتحكم بين المتخاصمين فيما شزر بينهم ، وهذا دليل ملموس يؤكد قوة شخصية هذه المرأة التي ترفض جملة وتفصيلا تسطيح الفكر ، وتدجين العقول ، وتأجيل النهوظ بالأمة ، فهي تضع الواقع بين خيارين ، إما أن ينفض عنه غبار الوهم والوعود الزائفة ، أو فليعلن انزياحه لصالح المصالح التي تقصي الوعي الجماعي ، وتصنف الدنيا بما فيها ، منفعة ذاتية خالصة ..
في تمسك شاعرتنا بلفظة الحلم ، اعتراف صريح منها أن جميع القيم التي نروم بلوغها من إصلاح وانتصار ورقي ، ماتزال في حالة مخاض عسير ، وصراع مرير يحاور جدوى الإستعداد لما لم تكتمل شروط تحققه بعد ، لذلك ومن معاني الصراحة المطلقة ، إذ لامجال للكذب ، فهي غاضبة جدا من كل اشكال الزيف والخداع والوعود الواهية ، ومن اجل ذلك تمدنا ببيان اعتراض على جميع المفاهيم التي تعتمد أنصاف الحلول ، ليقينها أن النبتة الطيبة لاتسقى بالسم ثم تخضر بعد ذلك ، ولا تطعم شجرة التفاح بالحنضل ثم تكون ثمرتها صالحة ، وإذن هذا البناء المعوج من أساسه ، بناء عقلية الجماعة والفرد باعتباره فاعلا في مجتمعه ، يحتاج إلى إعادة ترسيم معالم طريقه ، وطرح كل أنواع الكذب جانبا .. فكأن شاعرتنا تقول : حسنا إن كل ما لدينا عدة لاجتراح آفاف الغد هو الحلم ، فلنجعله نقيا خالصا وقبل ذلك علينا أن نتفق أولا بشأن تحديد معالمه ، كي لانختلف فيما بيننا ، لكن أنى يتأتى لنا ذلك و الاتفاق أحادي الصوت ، وإذن فلنعتبر هذه النقطة إحدى السؤالات التي أشرنا إليها ليكون جوابنا كالآتي :
أولا ما تتضمنه القصيدة هو طرح وإدلاء بالرأي ، ثانيا إنها قصيدة شعرية بالمقام الأول وليست رسالة ولا بيان سياسي ، والشعر فن والفن تلميح ، والشعر نزوح إلى التخييل والرمز ، وتناص مع الموروث الثقافي والفني والأخلاقي بما في ذلك ما توافق بشأنه العرف والدين والمجتمع ، فالشاعر ابن بيئته ، والشعر أجاز لنفسه منذ عهوده الأولى أن يحاكي أحاسيس الفرد والذات والجماعة ، فكان لسان العزلة والحب والوله والحرب والنصح والفخر والحماسة ، وعلى كفيه نسجت أناشيد الشعوب ، مظلومة كانت أو منتصرة ، ولأنه أيضا هذا الجميل الانسيابي المرن القابل لشتى اشكال التنويع في الشكل والمضمون ، لايعجزه الحديث عن عصر دون آخر ولا التكلم بلغة دون أخرى ، قادرا على البوح بما يعتمل في نفس طفل صغير لم يبلغ الحلم بعد ، مثلما هو أهل لكي ينطق بأفكار حكيم او زعيم عظيم وهو يهدف إلى تعبئة وعي عام لأمة بأكملها ، من أجل هذا كله تحمل شاعرتنا هذا الفن ، فن الشعر ، مهمة تبليغ خطاب يجمع بين فضلية الكلام بما ينفع الناس ، وقيمة الإضافة المعرفية الفنية والتي من أوفى شروطها جمال العبارة ورونقها ، يقينا أن الشعر إمتاع ومؤانسة قبل كل شيء ..
حسنا إنه الحلم الذي وصفناه قبل قليل ، ورسمناه شكلا وحاولنا أن نوجد له شرعية الولادة ، يقسم (بضم الياء ) والقسم كما هو معلوم ، يأتي على قسمين جملة القسم وجوابه ، فجملة القسم تقترن بأحرف القسم ، وجواب القسم يكون إما جملة إسمية او فعلية ، وهو تأكيد لحالة غيبية فيكون القسم بمقدس عظيم يتفق الطرفان على جلاله وأهليته ، ولن أعطي هنا درسا في النحو فما اكثر المراجع وما أيسرها ، إلا انني أعتمد الاستدلال بما يخدم غاياتي ،
تقول الشاعرة في نهاية القصيدة :
وقسمي ..
أن نصادر الغفلة وهذا النوم الطويل ..
وكل تعب الجفون ..
أن نصادر الغفلة وهذا النوم الطويل ..
وكل تعب الجفون ..
لاتذكر مليكة الجباري هنا من هو المقسوم به ، وحسب قواعد النحو العربي ، هذا ما يسمى بحذف جملة القسم ، وهو أمر جائز مثلما يجوز حذف جواب القسم .. فيكون حال حذف جملة القسم كقولك ، لتقعدن ، لتخرجن ، وهو قسم يعتمد التوكيد فقط ، ومن القسم نوعان ، قسم العهد وقسم الميثاق ، فسمي المثال السابق قسم العهد فإذا اقترن باسم الجلالة أصبح ميثاقا غليضا ، ومن باب اللطائف إيرادنا لهذا الاستشهاد القرآني عن جواز حذف جواب الشرط .. وذلك مايوافق قوله تعالى : في سورة النازعات : /والنازعات غرقًا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة/ فجواب القسم هاهنا محذوف ، تقديره : لتبعثن أو لتحشرن ، ويدل على هذا ما أتى من بعده من ذكر للقيامة في قوله : / يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة / وهكذا حتى متم السورة الكريمة .. أما عن تقديرنا للمقسم به فهو الله سبحانه وتعالى ، وهنا نصل إلى مرحلة صعبة وشائكة في تأويل النصوص الشعرية عموما ..
أكثر ما نقرأ من نصوص معلومة هوية أصحابها وسيرهم ، ومن خلالها ينطلق القارىء في تأويله ، لكن إن كان الدارس يعتمد نهج فك رموز لغة النص وحدها وماتحمله من دلالات ، مثلما فعل البنيويون الذين يرفضون الرجوع إلى سيرة المبدع ، فإن التراكمات الإبداعية الكمية والنصوص الشعرية العربية خاصة ستؤدي بنا إلى تصنيف جل الأدباء خارج شرعية الدين الإسلامي ، لما يصدر عنهم من ضروب إبداعية تعمد في كثير من نماذجها وخاصة دعاة نهج الحداثة والثلة المتأثرة بالأدب الغربي ، وهي فئة تلغي كل فوارق مذهبية ودينية ، بل منها ماتتبنى نظريات فلسفية غربية إلحادية قد تخالف حتى العرف الأخلاقي السائد في الغرب ، لذا ولكي أكون منصفا مع نفسي أحبذ أن أنتهج الطريقة السهلة فألجأ الى ملء فراغات المحذوف والمضمر وما سقط سهوا في إبداع كاتب أو شاعر ما ، فأرجأ التأويل إلى ما أعرفه وعن يقين حول سيرته وقناعاته فالشاعر مواقف وليس مجرد كلمات ، فلايمكن أن نتحدث عن شعر عنترة دون أن نستعرض بطولته وشجاعته ، ولامعنى لفخر المتنبي إن لم نعلم قصصه مع سلاطين الدولة العباسية وكافور الإخشيدي حاكم مصر ، وطموحه أن يولوه على إحدى الإمارات ، وكم كان سيكون هزيل الاثر ، شعر الحب العذري الذي أطربنا به قيس بن الملوح لو لم نعلم عشقه وتيهه في الارض هياما بليلى الإخليلية وهكذا ..
وقياسا على هذا أجزم ان شاعرتنا مليكة الجباري المغربية المسلمة حاملة عزة اللغة العربية ومكانتها بين الثقافات ، تقسم بالله ، فلايجوز القسم لمسلم إلابه عز وجل تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
/ أَلاَ إِنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُم ْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِالله ِ، وَإِلاَّ فَلْيَصْمُت .. / وقوله أيضا :
ْ / مَنْ حَلَفَ بِشَىْءٍ دُونَ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ /.. وإنه لقسم مبرور ومبارك ..
ومن الأسئلة التي يمكن أن تبقى عالقة في ذهن القارىء .. مسألة ثنائية هوية المقسم ففي العنوان ( عندما يقسم الحلم ) ، فعل القسم مختص بالحلم بينما في السطور الثلاثة الأخيرة من القصيدة ، الشاعرة هي من تقسم عند قولها :
وقسمي ..
أن نصادر الغفلة وهذا النوم الطويل ..
وكل تعب الجفون ..
أن نصادر الغفلة وهذا النوم الطويل ..
وكل تعب الجفون ..
وهنا أرى أن هذا التنويع ، هو من قبيل الانحياز الفني البلاغي نحو فضيلة الإيمان بالشيء لدرجة التماهي معه ، والذوبان فيه ، ففي العنوان الذي هو ملخص للنص بما يطابق شرعية العنوان أدبيا ، تخبرنا الشاعرة أن الحلم هو من أقسم كنوع من اختصار الطريق إلى المعنى الإجمالي ، وتعميم القيم ورفع مستوى الهدف إلى درجة المثالية ، مع خلق التواضع وإنكار الذات وذوبانها في القضية التي تؤمن بها ، فلو أنها أرادت أن تنسب فعل القسم لنفسها في العنوان : ليكون هكذا : ( قسمي ) ، فإن ذلك من شأنه أن يلقي في روع القارىء أن النص ذاتي الطرح ، بينما هو نص يدور حول مصير أمة ..
مسألة أخرى نطرحها هنا .. ألا وهي إمكانية تساءل البعض عن الحلم هل يعقل القسم في حقه فعلا ؟! فإن الجواب في تحديد أنواع الحلم وماهيته ..
الحلم حسب تفاسير وتعريفات شتى هو مايراه الانسان في حالة النوم من تخييل يقول عنه علماء النفس تفريغ أحداث اليومي وتجسيد الرغبات والمطامح ، وفيه الرؤيا وهي نوع يسير جدا من أنواع انكشاف الغيب إذ ان لها أسباب تحقق وتأويلات لها أهل اختصاص ، والرؤيا إحدى طرائق الوحي الإلاهي للأنبياء ، والحلم ارتكازا على أحداثه حسب شرعنا ، رؤيا صالحة وهي حمالة البشارات ، وحلم مزعج يعرف بالكابوس ، وكلاهما منهي إخبار الناس به إلا لعاقل حكيم .. فلقد كانت رؤيا نبي الله يوسف صالحة لكن أباه نصحه ألا يبوح بها :
/ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ .. سورة يوسف الآية 5 .. /
/ وعَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ قَال :َ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَلَا تَقُصَّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ .. /
أما من حيث التأويل الشرعي كذلك للمسببات ، فهو ينقسم إلى أجزاء ثلاثة :
- تحديث النفس
- ووسوسة الشيطان
- والرؤيا الصالحة من عند رب العالمين والتي جاء في السنة النبوية ، أنها جزء من ستين جزء من النبوءة ..
- تحديث النفس
- ووسوسة الشيطان
- والرؤيا الصالحة من عند رب العالمين والتي جاء في السنة النبوية ، أنها جزء من ستين جزء من النبوءة ..
وكلمة حلم يقصد بها أيضا الغاية والهدف والأمنية والمراد ، فإن هو عزز بعمل كان غاية ، وإن ظل مجرد رغبة لاتؤكدها أفعال حصر في معنى الأماني ومفردها أمنية ، لكن إن أصبح هذا النوع من التمني نوعا من الإنشغال عن الواقع ، أو كان بديلا عنه وتحول عادة وإدمانا أصبح إلى الوهم أقرب ، والوهم هو خلاصة كل شيء لاوجود له إلا في مخيلة الناس أو معتقداتهم الباطلة ، أو إدراكهم المخدوع ، فثمة مشاهدات بالعين وأخرى تسمع ، لكنها مجرد خداع سمعي بصري يعمد إلى إلباس الكذب اثواب الحقيقة دجلا واحتيالا ومنها الكلام المعسول والوعود الزائفة ، مستغلة قلة نضج الضحية او عدم انتباهها أو أن تكون مهيأة لهذا الوضع نتيجة عدة تراكمات معرفية خاطئة .. وهناك الكثير من حالات السقوط اللاواعي في حالة من السلب الإرادي الذي يعجز أعتى الأطباء والعلماء ومنه الجهل المركب ، ثم إن الوهم يكون سرابا إذا طلب ، وهو الهباء بعد الطلب ، لكن في عرف الكلام شفاهيا كان أم كتابيا ، يظل المعنى رهينا بالسياق ، فليس من يحلم باخضرار الارض بعد الشتاء ، كمن يحلم برجوع الماضي ، وليس الحالم بالحرية دون أن يطالب بها ، كالحالم بالحرية في ساحة النضال ، وقد صدق شوقي وكان له فصل الخطاب حين قال :
ومانيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا ..
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا ..
لهذا من كان حلمه معزز بفعل جاد وعمل دؤوب وإخلاص في النية ، كان إلى تحقيقه أقرب ، ولأننا هنا وكما أسلفت سابقا في حضرة قصيدة شعرية وليست خطبة .. فإن الشعر مصنع الخيال وجسر الحلم ومطية الاماني ، ورسول الوجدان ، يمنح الحلم أجنحة ، ويعيره اللغة لسانا ، ثم يهبه كينونة فيكون المصدق لدعواه والمؤيد لأبعاده ، وهو مصوغ شرعيته ، فعلى لسان الشعر نطق الشجر وغنى القمر وباح الزهر بعشقه ، وانطلقت اناشيد الحياة صداحة ، وصرخة التحرر مدوية ، ثم عانق الحلم فنفخ فيه روح الحماسة وجرأة الإعلان عن وجوده ، فاستل منه وعده وأخذ عنه ميثاقه قسما ، جرى على لسان الشاعرة .. في آخر النص كما أوردت من قبل ..
5 - قراءة تحليلية لمطلع القصيدة :
ونحن نواصل قراءة قصيدة حين يقسم الحلم للشاعرة مليكة الجباري ..
نجدها تستهل القصيدة بالجمل الشعرية الآتية :
/ الأحلام قابضة في زمنك على الرجاء..
سنزرعها...
على مشارف الطريق إلى الحياة
نكاية بالغبار في أكف المردة ،/
سنزرعها...
على مشارف الطريق إلى الحياة
نكاية بالغبار في أكف المردة ،/
نعود هنا للتحدث عن الحلم لكن بصيغة الجمع ، حيث تقول الشاعرة أن هذه الأحلام قابضة على الرجاء .. والرجاء هو ضرب من ضروب الأماني التي هي إحدى أنواع الحلم كما سبق وقلنا ، لكن الرجاء تحديدا هو طلب محدد معلوم لدى مريده ، يكون مرفوعا التماسا للرحمة والتعاطف والشفقة ، ومنه الرجاء المحمود كرجاء العبد لربه ولا اقصد هنا سوى الربوبية المطلقة لله سبحانه وتعالى ، فالعبد يبقى بين الخوف والرجاء إلى أن يلقى خالقه ، وهناك الرجاء المذموم ، وهو المستند على استدرار العطف معتمدا التوسل ممن ليس أهلا لذلك وهنا عقدة الحكاية كلها ، فهناك من يتوسل الموتى والقبور ، وهذا باطل في شرعنا الحنيف ، قال تعالى في سورة الحج الآية 73 :
/ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ /
فمن شروط معقولية الرجاء أن يكون معلوما لدى الطرفين الطالب والمطلوب ، من أجل غاية وقضاء حاجة وأرب ، لكن الميت لايسمع ولايرى فهو أشبه بالصنم المعبود في الديانات الوثنية ، وإذن لابد ان تتوفر في المعني بالرجاء الاهلية ، الفهم القوة والإرادة وكرم الجواب ، كرجاء الاحبة فيما بينهم ورجاء المرؤوسين للرؤساء ، بيد أن الرجاء إن كان غير محدد الوجهة شأنه شأن الرسالة التي لاتحمل عنوان المرسل إليه كان وهما ، وضربا من ضروب الأماني الباطلة ، وهنا أرى أن شاعرتنا ترمز لحالة من اليأس الاكيد من لاجدوى توسل الامة المقهورة حقها من غاصب لايمثل ترجيها له إلا حالة من حالات الذلة والمسكنة التي تأباها النفوس الأبية ، ومن هنا نعلم من المقصود بالخطاب في مطلع القصيدة ، حيث نرى الضمير المتصل وهو ضمير المخاطب الكاف ، مقرونا بالزمن ، عند قولها زمنك ، مما يجعلنا نستخلص أن الشاعرة تخاطب هذا المواطن المغلوب على أمره ، وتعري حقيقته البائسة أمامه :
/ الأحلام قابضة في زمنك على الرجاء../
وحتى لاننسى أحيانا يكون الإكتفاء بذكر المساوىء او المحاسن دون ذمها او الإشادة بها ، كافيا لإظهار الحقيقة .. وهكذا نرى الشاعرة لاتكتفي بالتفرج السلبي فهي تقترح البدائل ، وذلك جلي عند قولها :
/ سنزرعها...
على مشارف الطريق إلى الحياة
نكاية بالغبار في أكف المردة ،/
على مشارف الطريق إلى الحياة
نكاية بالغبار في أكف المردة ،/
بمعنى هذه الأحلام والتي اوجدنا لها شرعية من قبل ، من الإهانة لها أن تعتمد على الرجاء ، وبالمقابل سنزرعها على مشارف الطريق ، الزرع فعل معلوم ، والحلم إذا حددت معالمه ، فكان هناك اتفاق بشأنه ، وماذلك سوى نهضة حضارية حقيقية تدعو الشاعرة إليها ابناء وطنها ، فهو علم وادب ونهج قويم ، سيزرع في قلوب وعقول الاجيال القادمة والتي هي فعلا رمز الحياة ..
لكن طبعا ثمة أعداء للنجاح كما يقولون ، ولأن هؤلاء الاعداء والذين سمتهم الشاعرة بالمردة والمردة هم عتاة الشياطين ، لن يبقوا مكتوفي الأيدي أمام هذه النهضة ، فمن أساليبهم ان يحاربوها ، والشاعرة هنا تدعو للسلم وليس للحرب ، فهي ضد الخراب بكل ألوانه ، لذلك نرى أن أقتراحها هو صادق جدا بحكم تجربتها الشخصية كسيدة تعليم وناشطة جمعوية ، ترى أن أحسن وسيلة للرقي بهذا المجتمع ، هي التربية الفاضلة والخلاقة للناشئة ، نكاية بالغبار في أكف المردة ، فهؤلاء الشياطين العتاة مهما فعلوا ومهما بالغوا في معاداة الانسانية من أجل مصالحهم الخاصة ، واهمون لأن كل الذي اكتسبوه من هذه الاحقاد ، هو الغبار ، وهذا تشبيه مجازي بليغ لأسوأ انواع الخيبات ..
6 - الخاتمة ..
حسنا لن أكرر نفسي وأتابع ملاحقة الاسطر الشعرية التي تتضمنها القصيدة كاملة ، وهذا ما أشرت إليه سابقا في فقرة ، تعريف مختصر وضروري للمنهجية المتبعة ، فلقد حاورت بيت القصيد ، والذي لا يلزم كما هو الشأن بالنسبة للقصائد العمودية أن يكون بيتا معينا بذاته ، لكن من شاء التحديد فهو استهلال النص وهو أمر محبب في الشعر ، كما هو الشأن بالنسبة لقصيدة أبي القاسم الشابي الشهيرة ( إرادة الحياة ) كما أننا قربنا مفاهيم ومدلولات العنوان .. تحليلا يعتمد تفسير المعنى وتأويل الخطاب وإزالة اللبس ، وكذا تيبان وبؤرة النص ونسقه العام ، فإن كنت عزيزي القارىء ترى أننا متوافقان فيما ذهبت إليه .. فلسوف تقرأ النص كاملا من خلال المنطلقات التحليلة نفسها ، وتعلم غاية الشاعرة ( مليكة الجباري ) ورسالتها ، وتتأكد أنها تعادي ثقافة التجهيل وترفض الوهم ، وتؤمن بالأحلام الحضارية المشروعة ، ثم تقدم الوعي كبديل سلمي تربوي يعد بالكثير ، وهذا كله يعبر عن مدى مدى جدية رؤيتها الحياتية والفنية والتزامها الأخلاقي الشديد نحو ماتؤمن به مجسدا في الطرح الفني الذي تتسم به هذه القصيدة وكذا عموم تجربتها الرائدة والفريدة ..
شكرا ..
7 - النص الاصلي :
عندما يقسم الحلم
الأحلام قابضة في زمنك على الرجاء..
سنزرعها...
على مشارف الطريق إلى الحياة
نكاية بالغبار في أكف المردة،
سنعري وجه الحقيقة المفقود...
على جبال لا تلتقي
سنوزع الصبابة المستعارة
لن نسمح بالتئام جسم بوجهين
حرفته التملص ليعود..
حتى.....
وحتى لا يتسول الرجوع
ادفنوا الغضب في قعر أفكار لزجة،
احملوا مشاعل النور..
ونشيد البراءة...
سنزرع احلام الطفل
نحتاج مجادف وأشرعة ونوافذ،
نحتاج صباحا بلا قواميس مجرورة
بلا مصطلحات مشكوك في ألسنتها....
الأيادي هنا وهناك...
جالسة القرفصاء ،
لحافها ضباب وجواب مقتول
سنخذلها....
سنكون على الضفاف المزروعة
هنا لن تكبر السنابل..
طهروا المسافات بكسر قرون الريح
الماء مسجون،
والزيت يستنزف الموائد.
تفردنا في لحن الأوهام
أيها الزمن الصعلوك ..
هويتنا مزركشة الألوان
لن ابكيك..
فلا تتعب ما بيننا وبينك،
ناولوني بالله ابتسامة ،
لم تتذوق ملوحة موج العيون.
وقسمي...
أن نصادر الغفلة وهذا النوم الطويل..
وكل تعب الجفون.
سنزرعها...
على مشارف الطريق إلى الحياة
نكاية بالغبار في أكف المردة،
سنعري وجه الحقيقة المفقود...
على جبال لا تلتقي
سنوزع الصبابة المستعارة
لن نسمح بالتئام جسم بوجهين
حرفته التملص ليعود..
حتى.....
وحتى لا يتسول الرجوع
ادفنوا الغضب في قعر أفكار لزجة،
احملوا مشاعل النور..
ونشيد البراءة...
سنزرع احلام الطفل
نحتاج مجادف وأشرعة ونوافذ،
نحتاج صباحا بلا قواميس مجرورة
بلا مصطلحات مشكوك في ألسنتها....
الأيادي هنا وهناك...
جالسة القرفصاء ،
لحافها ضباب وجواب مقتول
سنخذلها....
سنكون على الضفاف المزروعة
هنا لن تكبر السنابل..
طهروا المسافات بكسر قرون الريح
الماء مسجون،
والزيت يستنزف الموائد.
تفردنا في لحن الأوهام
أيها الزمن الصعلوك ..
هويتنا مزركشة الألوان
لن ابكيك..
فلا تتعب ما بيننا وبينك،
ناولوني بالله ابتسامة ،
لم تتذوق ملوحة موج العيون.
وقسمي...
أن نصادر الغفلة وهذا النوم الطويل..
وكل تعب الجفون.
مليكة الجباري ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق