الأحد، 23 سبتمبر 2018

" الشعر العربي المعاصر : بين انتكاسة التعبير وقصور التصوير"

" مُــــرَاســـلاتُ أَدبيـــــةُ "
إلى الشاعرِ : مصطفى بنعبو
بسم الله الرحمان الرحيم :
" الشعر العربي المعاصر : بين انتكاسة التعبير وقصور التصوير"
سيدي الفاضل مصطفى ، أود لو تسمح لي بجلسة معك في ثنايا هذه الرسالة / الموضوع ، لأحدثك فيها عن موقفي من الشعر العربي اليوم ، وهو موقف إنسان عربي محب لعروبته ، ومحب لأدبها حبا لا يتصور ، ومن أجل ذلك أريد وضع بعض القضايا الأدبية تحت مجهر التفكير ، وأن أسلط الضوء عليها ، فاشرح صدرك سيدي لرأي هذا ، لخربشتي هذه ، لتطفلي الأدبي الصادق ، ويقينا أنك ستفعل .
العنوان فيما يبدو فضفاض واسع ، قد يوحي للقارئ أن المقصود هو الشعر العربي بكل أغراضه / مواضيعه ، وبكل ألوانه وأطيافه هذا ما قد يوحي به العنوان كعتبة أولية لهذه الرسالة / الخطاب ، لذا يجب تحديد المقصود : الذي يعنيه العنوان هو الشعر الحقُ ، النضالي ، الملتزم بهموم الأمة العربية على كافة مستوياتها ، سياسيا ، اجتماعيا ، اقتصاديا ...
الشعر الملتزمُ الذي تنكب عن مهمته ، وصار صوته همسا ، أو صدى أنات محتضر ، فلم يعد الطلبة في الجامعات العربية يجدون قصائد حماسيةُ تعكس هموم واقعهم ، ولا تعبر عن قضياهم كنخبة مثقفة ، ولم يعد القارئ / المتلقي العربي يردد قصائد ثورية من المحيط إلى الخليج ، ومن الخليج إلى المحيط ، فقد انحصر الشعر العربي في بضع مواضيع ولا يكاد يخرج عنها ، وإنها لدائرة ضيقة ، خُنق فيها صوت الشعر الثوري ، وصار صوته لا يتجاوز حنجرة النص / الخطاب الشعري نفسه ، وصارت عتباته قيدا وسجنا تمنع وتصد الشعارات الثورية الداعية إلى التنوير والتحرير ، وإضاءة جوانب القضية / القضايا القومية والمصير ، وهي عتبات خانقة ، ولا عاش القلم الخائن .
سيدي ، مصطفى بن عبو ، ما بال شعرنا العربي اليوم تائهُ ؟
ماله لا يعكِسُ هموم أمة منحطة ، مُنهارة حتى الدرك الأسفل؟
ماذا وقع لشعرٍ كانت تقوم الدنيا ولا تقعد بمفعوله ؟
لماذا شعراؤنا لا يتجمعون حول / على قضية الأمة اليوم ، وهي في أنكس نكساتها ، وأنكب نكباتها ؟
عندي أن الأمر جد خطير ، فأن تتنكب الأقلام عن الالتزام ، يعني أن الأدب صار وأصبح لاشيء ، إنه ترفُ فكْرِيُ لا قيمة له ، ولا فائدة تُرتجى منه ، ولا طائل من ورائِــه ،ويصدُقُ القول : إنه أدب منافِقُ .
إن أدبنا العربي اليوم ، شعرا ونثرا ، يعاني انتكاسة تعبير خطيرة ، إنه لا يُعبِر إلا عن نفسه ، ولا يعبِر إلا عن مداده الذي يسيل دون جدوى ، وهو مداد سيُحاسبُ غدا من قِبل أبناء هذه الأمة ، فلا قيمة لأدب كثُر مِدادُهُ ، وقلّ فِعْلُهُ في أمة مغلوبة منهارة .
أيُ شعرٍ هذا الذي لا يخلُقُ روحا في متلقيه ،؟ إن الحق ينبغي أن يقال : إن شعراً هذا وصْفُهُ ، هو شِعْرُ يُشْبِه نقيق الضفادع .
يقول ميخائيل نعيمة في " الغربال" :
" كلنا نتكلم عن الشعر كأننا نعرف ما هو الشعر كما نعرف الخبز والماء والثوم والبصل ، ولو اجتمعت زمرة من عشاق الشعر بيننا لتتحدث عن الشعر لوجدتها مبلبلة الألسن ..."
هكذا هو واقع أدبنا العربي اليوم ، كثُر فيه القيل والقال ، وكثرت كثرة الكلام ، والشعر يعدّ بالآلاف ، والقصائِدُ لا تُحصى أبدا ، وهو في آخر المطاف كلام لا يعبر عن قضية الأمة ، ولا يعكس آمالها وآلامها ، ولا يتحدث عن هموم النحن في العالم العربي الإسلامي ، وإنما هو أدب تائه ، متردد ، خائف متخفٍ تحت سراديب اللغة الميتة .
وألْفِت انتباهك سيدي ، مصطفى ، إلى مجموعات الفيس ، التي يتجمع فيها شعراء ، أو غير شعراء ، ولْتنظُر إلى صنيعهم يا سيدي ، فسوف تجد كلاما لا يعبر عن قضايا الأمة ، ولا يعبر عن ألمها العميق ، وجرحها الغائر ، ولا يُلامس الواقع الكئيب من بعيد أو قريب ، وإنما الذي ستجد وبوفرة ، هو الكلام عن الغزل ، والحديث عن المرأة ، وهذا موضوع آخر سأُحدثك عنه بتفصيل إن شاء الله في رسالة مستقلة .
كلنا نتحدث عن الشعر ، و نكتب الشعر ، ونقرأ الشعر ، ونلوك الشعر ونمضغه ، ولكن الذي لا نعرفه ، أو نتجاهل معرفته ، أن الشعر قيمة كبرى في حياة أي أمة ، وأنه هو الذي يعبر عنها أبدا ، ويعكس همها ، ويحرك الجامد فيها ، وأنه هو لسان الجماعة .
ما بال الكل يتشدق بمعرفة الشعر ؟ أعْترِفُ أني لا أعرف في الشعر إلا هدفهُ الاجتماعي ، ولكن ما بال الكل يصيح ويصرخ بنقد تفكيكي أو بنيوي أو شكلاني ، ولا يصرخ بثورية النص / الخطاب الأدبي ، ما بال النقد يطلب ويطالب من أدبنا اليوم ما يتطلبه النقد نفسه ، لا ما يتطلبه الواقع المر الأسود ، لعلها عودةُ إلى اللغة العقيمة التي ابتلي بها الأدب العربي إبان عصر الانحطاط ، أو لعلها فوبيا التعبير ، أو لعله القلق والتيه والحيرة من جديد .
انتكاسة التعبير : لا أقصد بها متعلقات الصنعة الشعرية ، لا أعني بها الصور الشعرية ولا الإيقاع ولا مستلزمات وخصائص النص الشعري ، بل أقصد معنى النص الشعري ، لا يهُمني المبنى بقدر ما أهتم للمعنى ، فالمضمون هو جوهر النص ، ولا أهمل الشكل ولا أقصيه هو ودوره ، ولكني أعلي من شأن المضمون وأعتبره أنه هو القيمة العليا في النص الأدبي ، وأن الشكل وسيلة مساعدة لنقل المعنى .
على أدبنا العربي اليوم أن يعبر عن الأزمة ، أن يخوض في مشاكل الأمة ، أن يقول ما يجب قوله ، أن يتحدث دون خوف ولا قلق من سلطة المراقبة ، والنشر المنافق ، لا بد من أن يُخلق قلم يصدعُ بالحق مهما كانت النتائج ، أن يكون أدبنا ، شعرا ونثرا ، هكذا : أدبُ يعالج قضايا الأمة كما يعالج الطبيب المريض .
انتكاسة التعبير : هو أن تقرأ الصحف فلا تجد قصيدة تعبر عن حال الأمة ، ولا تجد سطرا من الشعر أو بيت يصرخ ويجاهر بالوضع المؤلم المخزي الذي وصلت له الأمة المقهورة المنخورة .
انتكاسة التعبير : هو أن تقرأ ألف نص ، ولا تجد فيه ذاتك ، وتشعر أنك في غربة الواقع الملحوظ ، وفي غربة وتغريب الواقع المخطوط ، فلا النص يعطيك هويتك ، ولا الواقع يمنحك أصلا عن من تكون .
انتكاسة التعبير : هو أن تشعر أن النص ( النصوص) تقتلك وتذبحك ، هو أن تشعر أنك كلما قرأت نصا متّ وعشْت فيك كأنك غيرك .
انتكاسة التعبير : هو أن تحس أن النص المكتوب بلغتك لا يخاطبك أنت ، ولا يعبر عن أزمتك أنت ، ولا يواسيك ولا يعزيك ، بل يخدرك وينسيك ألمك بصور شعرية حالمة محلقة في فضاءات لعينة مخزية .
انتكاسة التعبير : هو أن تكون لغةُ الشعر لغةُ كاذبة منافقة ، لا تقصد الحق ولا تسير إليه ، بل هي لغةُ خشبية تُحرق في جوفها من الخوف والفرق ، وتخاف من الموت وهي في موت ، وعندي أن نصوصا مثل هذا النوع : تصير إلى موتٍ ولا شك ، فلا قيمة لنص يمشي بأمة إلى الهاوية .
انتكاسة التعبير : هو أن تجد شعراء لغتك يتكالبون عن الدنيا والطمع والمال ، والشهرة والمناصب ، والأوسمة والجوائز ، والألقاب ، والكراسي ، ولا تلفاهم يتحدثون عن الإنسان المهزوم ، وعن سيكيولوجية القهر الجمعي ، إن مثل هذا النوع من الشعراء ، كمثل الضفادع تصرخ وتزعج وتحسب أنها تطرب من يسمع لها .
انتكاسة التعبير: أن تمسك قلما وتريد الكتابة ، ولكن تتنكب عنها لعلمك أن دور النشر لا تنشر إلا السفاهة والضحالة ، وأنك إن كتبت الحق لن تهتم به دور النشر ، بل عليك أن تكون بهلوانا يلعب باللغة ، وتجعل من اللغة قردا يرقص على / في ساحة النص اللعين .
انتكاسة التعبير : أن تقرأ قصيدة كتبت في العراق مثلا ، ولا تجدها تعبر عن أزمة ومشاكل العراق ، فالواقع العراقي في دمار وخراب ومعاناة ، والقصيدة حالمة في واقع طوباوي لذيذ لا علاقة له بالواقع ، وكأن القصيدة في مثل هذه الحالة ، كأنها مواطن منافق كاذب ، يسعى إلى دمار أمته وخرابها .
انتكاسة التعبير : أن تجد القلم ينفث مداده في مواضيع لا علاقة لها بالأزمة العربية اليوم ، وكأن الواقع العربي في جنّة العيش ، وكأن الإنسان العربي يعيش في حياة خالية من الهم والغم والألم والجراح ، وكأن الإنسان العربي لا ينقصه إلا الفن اللذيذ الذي يدغدغ العواطف ، ويجلب له المتعة الفنية الروحية ، وهو ، الإنسان العربي ، في أمس الحاجة إلا فهم ذاته وواقعه المحيِّر ، الواقع العربي المنكوب المنكوس .
انتكاسة التعبير : أن تكون النصوص الأدبية جوْفاء فارغة من كل قيمة اجتماعية ، أن تكون في واد وهموم المواطن في واد ، أن تكون لا شيء من حيث الدعوة والالتزام ، أن تُغرَّد في سرْب ضبابي كثيف الغموض والغرابة ، أن تكون نصوصا منافقة ، فاسقة عن حدود الشريعة الاجتماعية ، إن نصوصا شعرية مثل هذا النوع ، هي طاعون يجري ويسري في كيان المجتمع .
انتكاسة التعبير : هو أن تصبح النصوص لصوصا ، فالنص مثل اللص ، إن النص المنافق يسرق عقل أمة ، واللص يسرق جيبا واحدا ، فأي الضررين أكبر؟
كثُر البهلوان والمُهرَّج ، وكثر اللاعب باللغة ، وكثرت المعاني العقيمة ، وكثر النفاق اللغوي ، وقلة المعاني القوية الصارخة ، وقلة الأصوات الشعرية الملتزمة .
إننا نعيش في أدب لا علاقة له بنا ، ولا صلة تربطه بكياننا المُنْفصِم ، إنه أدب يتملق ، ويتزلَّف ، ويبحث عن السلطة والشهرة ، والقوة الاجتماعية لا غير ، أصحاب هذا الأدب هم المهرجون ، هم المنافقون ، هم الكذابون ، هم القتلة .
قصور في تصْوير حال مجتمعات مقهورة مهزومة .
القصور في التصوير : معناه عدم رصد آلام الشعوب ، عدم سماع الأصوات المُعذَّبة ، والتفاني في لذة النص ، أو خلْق النص اللذيذ ، الذي لا يلامس الواقع ، ولا يتحدث عن الواقع ، بل يموج في ذاتية صاحب النص ، ولا يخرج منه إلى الناس ، بل يحوم في فلك النفس الكاتبة ، ويعبر عنها وحدها .
القصور في التصوير : معناه استعمال اللغة الأدبية من أجل اللغة ، لا لغاية اجتماعية ، ولا لهدف انساني نبيل ، فهي لغة حالمة ، لغة حائمة على دوائر الغموض ، واللف والدوران العقيم ، والمعاني الفارغة .
القصور في التصوير : معناه التعالي عن الواقع ، وتصوير المجتمع كأنه في جنة العيش ، معناه عدم نقل آلام وعذاب وجراح المواطن الذي يعيش في ثنايا الألم ، وتحث ثقل الفقر والظلم ، إنه ببساطة : استعمال اللغة الطوباوية .
القصور في التصوير : معناه نسيان الواقع وتذكر الأسلوب ، نسيان المجتمع والاهتمام بعلوم اللغة : نحو ، بيان ، صرف ، عروض ، قافية ، صرف ، فيصبح النص متجرا لعرض أدوات اللغة ، وتغيب قيمة النص الذي ولد من المجتمع ، والذي ينبغي أن يعبر عن المجتمع لا غير ، فهكذا هو نقْدُنا : مشْتري يساوم في بضاعة النص الأدبي ، ونحن بحاجة ماسة نسيان الألم والأنين والاشتغال في دوائر نقدية متعالية لا قيمة لها ، فحتى إلى نقد يُصلح ويعالج أمراض المجتمع ، أي نحتاج إلى نقد يكون مثل الطبيب يشخص أمراض الأمة ، ويقدم لها العلاج . فنقدنا العربي اليوم يحتاج لمحاكمة قاسية ، لا بد من محاكمة ومحاسبة النقد الأدبي العربي .
سيدي الشاعر ، مصطفى بن عبو ، إن الشعر العربي اليوم تائه ،
والواقع مر قاس لا يطاق ، من المحيط إلى الخليج ، ومن الخليج إلى المحيط ، فما عادت تنفع العبارات المعسولة ، ولا الكلام المنمق ، ولا الأسلوب المزوق ، ما عاد يجدينا الشعر الرنان ، الذي يطربنا بإيقاعاته الموزونة ، و المشحونة بشحنات الوزن والقافية ، ولا عاد يلْفِت نظر القارئ / المتلقي العربي السحر البياني ، لا قيمة للبلاغة وأصباغها والتفاني في خدمتها وتشغيلها في وضع مرير وقاس ، لا قيمة للتكالب على استعمال الألوان البيانية على حساب المواضيع الاجتماعية ، إن الذي يفرض نفسه الآن هو الصدق في الإنتاج والصدق في التعبير والتصوير ، والالتزام بالمواضيع الجادة ، التي تصب في صلب واقعنا العربي اليوم ، فلا عاش التعبير المتعالي ، ولا عاش التصوير المثالي.
سيدي الشاعر ، مصطفى بن عبو ، سيأتي الجيل ولا بد ، الذي سيحاسب ، ويحاكم شعرنا العربي الذي يصول ويجول في ساحات المصلحة ، والمنفعة الفردية الذاتية ، سيأتي الجيل الذي سيلعن الشعر المنافق ، والشعر الكاذب ، سيأتي الجيل الذي سيرفض كل نص / خطاب لا يعبر عن أزمته وألمه ، سيأتي ذلك الجيل الذي سيضرب النصوص الشعرية المنافقة الحالمة عرض الحائط ولا يهتم بها ولها .
سيأتي ذلك الجيل ولا بد . إنه قادمْ .
واسلم لأخيك : الحسين بنزهرة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق