الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

الرمزُ في الزجل المغربي مِيلُود بابا بن العرْوي نموذجاً

الرمزُ في الزجل المغربي
مِيلُود بابا بن العرْوي نموذجاً
تقديـــم :
يَكْتبُ الزَّجالُ النَّصَ الزَّجَلِي بِلُغَةٍ عَامِيةٍ ، ويمْتحُ مُفْرَداتهِ من الذاكرة الشعبية ، ولا يقيمُ قوانين اللغة لخلْق النص وإبداعه ، بل يجْعَلُ من مَقْبوليةِ المتلقي حكماً ، ويتخذ من قَبُول المتلقي لخطاباته شفاعةً لدى محكمة النسق الفصيح ، ولأنه لا وجود لرقابة النحو ، ولا وجود لسلطة علوم اللغة في الخلق الزَّجلي ، يغدو الزّجالُ مُتمرِّداً لطيفاً ، يُهدِّمُ منْطِقَ القانون والناموس ، ويتجاوز حدود القاعدة / القواعد ، ويُلْغي من ذهنِهِ ، كمُبْدِعَ ، سُلطةَ وسُلْطانَ القانون اللغوي ، ليمارس جريمةَ إثبات الذات في مساحةٍ لُغَويةٍ عاميةٍ لا تعْرِفُ القيد ولا الحد ، وليقترف جناية خرق علوم اللغة بسابق الإصرار والترصد .
كثيرةُ هي النصوصُ الزجلية التي (تُشغِلُ) / توظِفُ الرمز ، توظفهُ لتمثيل الأشياء مثل الأفكار والعواطف ، ولتنْزيل التصورات من سموات المجرد ، إلى أرض المُشَاهَدِ والمُشخص ، فالفنان (الزَّجالُ) ذو المخيلةِ الخصبةِ ، ينفخُ الروح في جسد اللغة العامية / الدارجة ، تلك اللغة التي أنهكها الاسْتعمال اليومي ، فتغدو ، من خلال الرمز ، لغةً حيةً قابلةً للتأويل والبحث في طبقاتها ، إنه ، الزجَّال، يحفر عمقا معْنوياً ، دلالياً ، يحث المتلقي ، على الغوص في أعماق النص الزجلي ، للوصول إلى المعنى / المعاني الموجودة فيه ، فتصبح اللغة العامية حركيةً وقويةً .
سأشتغلُ على عمل من أعمال الزجَّال المغربي " ميلود بابا بن العروي " ، لنرى كيف يخْلُقُ الرَّمْزُ الحيويةَ في اللغة العامية ، وكيف تُصْبِحُ الدارجةُ أكثر قوةً من خلال الترميز.
فالدارجةُ تُنقلُ / تنتقل إلى درجة أخرى ، يصْبِح فيها المتلقي / العادي ، مشاركا في عملية الخلق ، أو البناء الدلالي ، ويصبح البناء المألوف ، على المستوى العامي ، يصبح غرائبياً ، أو يقحم المتلقي في طقس نفسي غريب ، ــ لعلها صدمة المكتوب الغريب ــ ، ومن تمت ، تغدو النصوص الزجلية ، تسهم في زعزعة اللغة العامية ، وخلق ، لغة عامية ، مشحونة بالرمز والعلامات التي تحتاج إلى تفكيك وفهم ، وتأويل ، وسنرى أن رموز ميلود بن بابا العروي ، تعْمَلُ على خلق اللغة الدارجة الفنية ، التي تعلو على الخطاب اليومي .
1 ـ تعْريفُ الرمز :
ورد في معجم المعاني تعريف ومعنى رمز :
رَمَزَ (فِعْلُ) :
رَمَزَ ، يَرْمِزُ ، رَمْزاً، فهو رَامِزُ، والمفعول مرموز إليه .
رَمَزَ الشخصُ : غمز ، أومأ أو أشار بالشفتين أو الشفتين أو العينين أو الحاجبين أو الرأس أو أي شيء كان دون إصدار الصوت ، وذلك بقصد التفاهم .
رمز إلى الشيء بعلامة : دل بها عليه ، مثَّله بصورتها أو شكلها أو نموذجها .
يقول الكاتبُ " هنري بير " في كتابة ( الأدب الرمزي ) :
" ترجع كلمة " رمز" إلى الزمان القديم ، وملاحقتها ، ليست بذات فائدةٍ. فالكلمة ، في العصور الوسطى ثم في الكثير من تفسيرات الميثولوجيا في القرن التاسع عشر ، حملت معاني كثيرة ، فهي ، في اليونانية ، كانت تعني " قطعة من خزفٍ " أو من أي إناء ضيافة ، دلالة على الاهتمام بالضيف . والكلمة ، في أصلها ، مشتقة من الفعل اليوناني الذي يعني " ألقى نفسه " أي هو يعني : الجمع في حركة واحدة بين الإشارة والشيء المشار إليه " (ص: 7)
يمكن أن نستشف ، من خلال هذه التعاريف ، أن الرمز علامة يشارُ بها إلى شيء معين .
إما بقصد الإيهام ، أو التستر ، أو لمعانٍ أخرى ...
وعلى الإجمال : فإن الرمز وسيلة لتمثيل الأفكار والعواطف .
قد يكون من دواعي أسباب تشغيل/ توظيف الرمز ، هو الخوف من السلطة / الطبقة الحاكمة ، وذلك من أجل إبعاد الإشارة المباشرة إلى المشار إليه ، لأن اللغة حمَّالُ المعاني والدلالات ، وخزَّان للمعنى / المعاني .
يعْرِف الزَّجالُ المغربي ميلود بن بابا العروي كيف يوظف الرمز ، انطلاقا من حسٍ فني ، فيشغله في (ب) اللغة العامية ، مُفجِرا الثابت ، ومخلْخلاُ المعاني العادية ، التي أصبحت عادة عند اللسان العامي ، فهو ، كفنان ، يفتح النص الزجلي على عوالم أخرى ، ولا يقف باللغة العامية عند عتبات المعروف ، والمألوف ، بل يقتحم عباب المعنى .
لم يعد النص الزَّجليُ آحادي النكهة ، بل انفتح على عوالم أخرى ، في وضعٍ ثوالُجيٍ ، فبما أن النص الزَّجلي قَبِلَ بالحوار ، والتقاطعات الثقافية ، فإنه شرع نوافذه على العالم الرحب ، بحيث لم يعد ، الزَّجالُ ، بهلولاً ، أو مجْذوباً ، يضرب في الأرض ، لم يعد الزَّجالُ ذلك الرجل الغريب ، (عابر السبيل ) الذي يجول ويصول لنشر حكمته / حِكَمِهِ ، بل قبل هو كذلك ، بالوضع الثقافي ، وصار يقرأ ، ويتعمق ، ويحلل ، ويغربل ، ومن هنا جاء الزَّجالُ المنفتح على الفن والعلم ، وبالتالي ، فما عادت تجدي الوقفات العادية في النص الزَّجلي ، بل إن النص نفسه يدعو قارئه إلى الغوص والتنقيب والبحث عن المعنى ، بدل الوقوف في وضع المتلقي السلبي ، الذي ينتظر من النص أن يرضعه الحكمة ، أو المعاني الشعبية ، أو العبر الخالدة ...
يمكن الوقوف على رمز الحيوان في نصوص الزَّجال المغربي ميلود بن بابا العروي :
1 / رموز تنتمي لحقْلِ الحيوان :
إن توظيف الحيوان ، في الأعمال الأدبية ، عادةُ قديمةُ ، تذكرنا بالوجود الأول ، الذي كان يتأسس على الخرافة ، أو التفسير غير العلمي ، حيث استند الإنسان إلى الموجودات المنظورة لتفسير العالم غير المنظور ، ونجد أن كتاب " كليلة ودمنة " كلُهُ مبني على شخوص حيوانية ، من قبيل : الأسد ، الثور ، البوم ، الغربان ، القرد ، الغيلم ، ابن عرس ، ابن آوى ، الثعلب ـ الحمامة ، مالك الحزين ... وفيه يجري الحوار على ألسنة البهائم ، وتصبح الحيوانات عاقلة ، وقد وظفها مؤلفُ الكتاب ( اختلاف في مؤلفه ) كرموز دالةٍ على أشياء أخرى .
والشعر العربي الفصيح ، يعجُ بذكر أسماء الحيوانات ، وكذلك كتاب " ألف ليلة وليلة " .
إن توظيف الحيوان ، كرمز ، في النصوص الزجلية له طعمُ خاصُ ، ونكْهةُ فريدةُ من نوعها ،
حيث تصبح الكلمات "غير الرسمية التي لا تعد فصيحة في لغة المتحدث " ، تصبح مخْلوقاً جديداً ، ينبض بالحياة ، وتمشي في فكْر المتلقي ، وتجري في خياله ، وتفجر في اللغة العادية بئرا من المعاني والدلالات الذي لا ينضب ، حيث يقلِّبُ المتلقي المعنى على وجوهه ، ليصل ، إن هو وصل ، في الأخير إلى المعنى الذي يطمئنُ إليه ، ويرتاح له .
وقد صح عندي أن النص الزجلي لا يحقق حريته ، إلا إذا تحرر من قيود الاستعمال اليومي للغة ، ولن يخْلُقْ الزَّجالُ فناً في اللغة العامية ، إلا إذا نقلها من درجة الدارجة العادية ، إلى منزلة الدارجة الفنية ، المشحونة بحرارة الرمز ، والإيماء ، و الرجوع إلى الذاكرة الشعبية ، وكذلك الرجوع إلى العلوم المختلفة .
الزَّجالُ الذي يخلقُ الروح في اللغة الدارجة هو الفنان الحق ، لأن العبرة ليست باستعمال اللغة الدارجة ، ولكن العبرة في طريقة توظيف هذه اللغة لغايات جمالية وفنية ، وذلك من خلال خلق لغة داخل اللغة ، أي خلق لغة جمالية داخل اللغة اليومية التي تستعمل في الخطاب اليومي .
إن الزجال الحق هكذا يعْملُ : يأْخذُ المفردات من الذاكرة الشعبية ، ولكنه يصوغها وفق تمثله الخاص ، من خلال صور فنية ، ولعل الرمز أبرزها .
في نصوص الزجال المغربي ميلود بابا بن العروي نجد توظيف الحيوان بكثرةٍ ، مما يدعونا إلى القول : بأن هذا التوظيف مقصودُ من لدن هذا المبدع .
إن الزجال ميلود بابا بن العروي ، وهو يخاطب ذاته ، ويناجي نفسه ، في حوارٍ داخليٍ تتداعى معه كل جبروت اللغة العادية ، يشغلُ الرمز ، متمردا على منطق العقل ، وحدوده ، و قوانينه ،
ويخْلقُ فضاءً لا تُسمى فيه الأشياء بِمسمياتها .
يقال : أن اللغة الدارجة هي لغةُ التواصل ، وأن غايتها هو تحقيق المنفعة الاجتماعية لا غير ، فلا يطلبُ في اللغة الدارجة جمالية المبنى ، والتفنن في التصوير ، أو استعمال مفردات غريبة ، بل غاية اللغة الدارجة هو الكلام المباشر .
غير أن النصوص الزجلية ، تخرق هذه القاعدة ، وتتمرد عليها ، في ظل حوارٍ وجوديٍ دائم ، لا يرضخ الزّجالُ لقاعدة : قل كلامك بوضوحٍ ، لأن الغموض يحقق المتعة ، وينقل العقل إلى مساحة لا يمكن تشغيل العقل فيها ، بل التلذذ بذائقة روحية أو نفسية داخلية ، جوانية ، وقديما قال بعضهم : " الرمز ، يستثير المثقف ، من هنا أن الشعر أفضل القراءات "
وسنرى كيف أن الزَّجال المغربي ميلود بابا بن العروي يخاطبُ ذاته ، من خلال لغة رمزية ، مشحونة بالدلالات ، والمعاني.
لِنُلْقي نظرة فاحصةً على نصه الزجلي " يا راسي واش انت هو انت " :
يا راسي واش انت هو انت
... ملي تمشي مشية لغراب
تعدني حمامة فغار النبي مبيتة
وانت غير متلف لحساب
من سموم بوصيح لملوثة ...
تسقيني وتكول هذا مكتاب
يا راسي يلا جاتك السكتة
وما بغيتي تلاغيني ب جواب
وثيقتي بلي انا هو انت
لله زيد اخرج من هاذ الصواب
ؤُ تخايل روحك نبتة ميتة
ؤُ مفرتة على تراب لعذاب
يا راسي عافاك شوف فيَّ
هز راسك و حكك مزيان
أنا مزاوك لا تتعالى عليَّ
بزواق لبس لحرير والكثان
راه الدنيا باقية هي هي
و أنا حالف ما ننسى ملي كنت عريان
يا راسي ترزن شي شوية
لله ثقل معايا وكون إنسان
لا تتغر ب لمواول و لقافية
وتفكر نهار يتحجر اللسان
يوم ما تنفعك لا قصيدة لا أغنية
ؤُ فقبرك تزهر جمار لحزان
يسْتهِلُ الزجال المغربي ميلود بابا بن العروي نصه الزجلي بسؤالٍ إنكاري ، تتلاشى أمامه كل الأسئِلة المنطقية ، ومن تمت تصبح لغته الزجلية ثورةُ على مقاييس الوجود الرتيبة ، ذلك لأن منبعه الذات (الزَّجال ميلود) لا الخارج (الواقع) ، والذات دوما معمرة بحب الفردنة والتفرد في حوارٍ حميميٍ من الذات إلى الذات ، إن اللغة الزجلية ، التي ينتج بها الزَّجالُ ميلود بابا بن العروي نصوصه ، تتخطى منطق الكائن ، إلى احتمال / احتمالات الممكن ، من خلال توظيف رموزٍ ، تكْشفُ (بعد الفحص والتأمل) عن حوارٍ وجوديٍ عميق ، حوارُ لهُ جذورُ خفية في الذات المبدعة ، يقول الزَّجال ميلود بابا بن العروي :
يا راسي واش نت هو نت ؟
سؤالُ قويُ وعميقُ ومؤلمُ ، يرتبط بموقف الإنسان من الوجود والموجود فيه ، من الأنا والآخر .
هل أنا هو أنا ؟ ( يا راسي واش نت هو نت ) : لا ينبغي أن يتدخل العلم وما تقرره أساليب الاختبار والتجربة ، لا ينبغي أن تأتي الإجابة من عالم / وجود خارجي ، بل ينبغي أن ينبثق الجواب من الذات ، لأن السؤال موجهُ إلى الذات ، لا وجود للعلم هنا ، فالزَّجال في حوارٍ وجوديٍ جوانيٍ يستبطن من ذاته أسرارها الوجودية .
إن هذا السؤال ، الذي استهل به الزجال ميلود بابا بن العروي نصه الزجلي ، يعتبر المفتاح السحري لمعرفة قيمة الرمز في ثنايا هذا النص ، فما دام الموضوع منصبُ حول وجودية الذات ، و في خضم شكوك قويةٍ ، وعدم معرفة أشياء كثيرة في النفس ، سخط ، الزَّجالُ على العقل وعلى حدوده ومنطقه القاصر في معرفة لغز الوجود ، وبالتالي استعان برموز حيوانية ليمثل حالته الجوانية و الوجدانية ، لأن العلم لن يسعفه في معرفة هذه الأشياء ، أي لن يستطيع العلم أن يجيب عن أسئلته الوجودية / الغيبية ، لا لن يستطيع ، لأنها لا تدخل في مجال/ حقل اشتغاله وانشغاله .
يدور حديث الزَّجال عن الموت وما بعد الموت ، وينهى نفسه بنفسه عن الانغماس في الدنيا الفانية الزائلة الباطلة ، التي لا تعدو أن تكون غير سرابٍ منقطعٍ ، إنه نهيُ وزجْرُ ، وتأنيبُ لنفْسٍ ربما انتفخ ريشها لشارةٍ أو لقبٍ أو ... فهو يتخلى ، الآن ، عن الواقع الخارجي ، وينفردُ بنسفه في زاوية البوح الداخلي ، وينهاها عن الترفع والتعالي .
إن ما يلفت انتباه المتلقي / القارئ ، لهذا النص الزجلي هو الطريقة ، أو الدقة ، التي وظف بها الزَّجالُ ميلود بابا بن العروي الرموز ، وعنْدي ، أن الرمز ( الرموز) الموظف (ة) في هذا النص هو الذي فرض نفسه بنفسه .
فالزَّجالُ ميلود بابا بن العروي وهو يحاورُ ذاته ، بعْقْلٍ رزينٍ ، وحكمةٍ بالغةٍ ، استعمل رموزاً حيوانيةً ليخْلُقَ طقْساً زجلياً تنكسر فيه ، ومن خلاله ، شوكة الذات المتفرعنة ، أو التي كادت أن تتفرعن ، ليردها عن جموحها ، بذكرى التراب والكفن ، والموت ، والنهاية ، والرحيل عن الدنيا الفانية إلى العالم الباقي الدائم :
يا راسي واش انت هو انت
... ملي تمشي مشية لغراب
تعدني حمامة فغار النبي مبيتة
وانت غير متلف لحساب
من سموم بوصيح لملوثة ...
تسقيني وتكول هذا مكتاب
إن توظيف هذه الرموز لم يأت اعتباطا ، بل جاء بعد تمعنٍ ، وانطلاقا من حس فني ، و ذوقٍ جمالي ، من ذاتٍ تريد لذاتها التواضع وعدم التعالي .
رمز الغراب :
وظف الزجال ميلود بابا بن العروي رمز الغراب ، لِيُظْهِرَ ، مشيه المرح ، الذي يبدو فيه التعالي أو التكبر ، المشيُ الذي ينبأ عن الفوقية ، أو التميز و التمييز عن الآخر ، فالأنا في مستوى لا يمكن أن يبلغه النحن / الغير ، وبالتالي فالمشية فيها تبخترُ وتعالٍ .. إن هذه المشية غير فطرية بالكاد ، بل هي مشية مصطنعةُ تفقد الإنسان طعم العفوية والتلقائية ، وتجعله عبدا مسجونا ومقيدا دائما ، فهو دائما يستحضر الغير في ذهنه ، وينشغل بصورته التي سيكونها الغير عنه ، لذلك نلفاه يلقي هذا السؤال الوجودي العميق الثقيل :
يا راسي واش نت هو نت .
إن الإنسان المتعالي ، حسب الزجال ميلود بابا بن العروي ، ينسلخ من فطريته ، يعيش الازدواج ، إنها ذات داخل الذات ، فعندما يتبختر الإنسان على الإنسان ، بمجرد أن بلغ لمرتب ، أو حصل على شهادةٍ أو لقبٍ أو ... فهو ينسى نفسه ، وينسى الانطلاقة الأولية التي بدأ منها حياته ، ويعيش متغربا في ذاته / الغربة الداخلية . ينسى أنه كان قبل أن يكون ، يقول في نصه الزجلي :
يا راسي عافاك شوف فيَّ
زظهز راسك و حكك مزيان
أنا مزاوك لا تتعالى عليَّ
بزواق لبس لحرير والكثان
راه الدنيا باقية هي هي
و أنا حالف ما ننسى ملي كنت عريان
وهو تواضعُ واضحُ في ثنايا هذا النص ، فالزَّجال لا يريد التعالي على عيال الله بمجرد أن وصل لمرتبٍ أو نال وظيفة أو ... لأنه أدرى بنفسه من غيره.
إن " الكبر أو التكبر أو التغطرس أو التعاظم هو أثر من آثار العجب والافتراء من قلب قد امتلأ بالجهل والظلم ... فنظره إلى الناس شذر ومشيه بينهم تبختر "
ورغْم هذه الصورة الواضحة ، التي تبرق من ثنايا اللغة الدارجة ، والاستعمال المألوف ، رغم ذلك ، فإنه بإمكاننا ، أن نغوص في دلالات المفردة ، وفي معانيها ، لنستشف معانٍ أُخر ، وهي معانٍ لا تبتعد عن / من المعنى الذي أشرنا له سلفاً ، فبإمعاننا في مواصفات هذا الطائر " الغراب " نجد أنه : " يتميز بهيبة صوته الذي جعل الناس تتشاءمُ من رؤيته أو سماع صوته إضافة إلى لونه الأسود القاتم " .
وكأني بالزجال ميلود بابا بن العروي يقول :
إن الإنسان المتكبر المتعالي عن الخلق ، الذي يتبختر في مشيته ، ويصطنع لنفسه إنسانا غير الإنسان ، إنه لا يعدو أن يكون مثل الغراب الذي يتبجح على الناس بمشيته ، ولكن ظاهره أسودُ قاتمُ ، لا يطاق من عند النحن ، جوفه طينُ وهو طينُ وصائرُ لا محالة إلى الطين .
فتوظيف رمز الغراب ، عندي ، كان الهدفُ منه ، هو تقزيم حجم الإنسان المتعالي ، الذي يترفع بأناه عن النحن ، ويرى في نفسه أشياء كبيرة ، ويرى في غيره أشياءً صغيرة ، فرمز الغراب دلالة على الشؤم .. والنفور ..
رمْز الحمامةِ :
إن المتكبر يتكبر بذاته ويرى أن لاشيء مثله ،فهو متكبر عن كل سوءٍ ، وعن كل عيبٍ ، وعن كل نقصٍ ، من جراء العجب بالنفس ، فنفس الزَّجالِ المغربي مسها شيءُ من هذا العجب ، ولذلك يصور لنا داخل النص الزجلي ، أن النفس ، من كثرة التعالي والغطرسة ، ترى نفسها في مقام الحمامة التي صانت النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو في غراء حراء مع أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، فرغم خطاياها ،أي النفس ، وكل ابن آدم خطاء ، ترى أنها ، أو تقنع نفسها أنها في طهر و نقاءٍ ، وأن لاشيء يمس روحانيتها ... إنها النفس العالية .
إنها الحمامة الوديعة الآمنة التي لا تفعل منكرا ، ولا تأتي فاحشة ولا معصية ، إنها النفس الصائمة عن ملذات الحياة الدنيا ، وكأنها من سلالة الحمامة التي حمت النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، أو كأنها هي هي ، وهذا عجبُ ما وراءهُ عجبُ ، و توظيف الزجال لهذا الرمز ، يشي بوعي تامٍ بأجواء وطقس خلق النص الزجلي وإنتاجه ، وهو تصويرُ بارع ، وبيان رائعُ ، من قريحة زجالٍ يخلقُ في اللغة الدارجة الروح والحياة ، فنْظُرْهُ كيف اقتنص هذا الرمز الديني ، في المورث الإسلامي ، ليسقطه بصورة رائعة على حالته النفسية ، أو الذاتية ، فحسبه ، أنه لا ينبغي ، للنفس البشرية ، أن تتعالى وتترفع على الخلق ما دام مصيرها الزوال والرحيل عن هذا العالم الفاني والمنتهي ، إن توظيف رمز الحمامة التي صانت أو ساهمت في صيانة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورفيقه الصديق يبرز أن الزَّجالَ ميلود بابا بن العروي مسه ، في وقتٍ من الأوقات ، كأي ذات بشرية ، مسه نوعُ من العجب ، وحب الذات ، فرجع إلى نفسه يوبخها ، ويلومها ، برشدٍ ، وصراحةٍ ، ومواجهة ٍ صريحة لا لين فيها .
إن نفسه التي تمشي مشية الغراب ، تبختراً وتكبرا ، وتعالياً ، هي التي صورته في صورة الحمامة ، التي صانت النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، لذلك نجده يلح منذ البداية على هذه الرموز لأنها هي نواة النص الزَّجلي ولبه .
رمز بوصيح ( نوع من العناكب ) :
رمز ( بوصيح ) هو رمز ينضاف إلى الرمزين السابقين ، رمز الحمامة والغراب .
فهذا التكبر ما هو إلا ضربُ من ضروبِ التيه ، وكأن هذه الحشرة ، نفتت سمها في جسد الزَّجالَ ، حتى نسى حسابه وحساباته كلها . وهو رمز جد خطير ، من حيث بيان حالة نسيان الذات ، أو التناسي للذات ، فالسم يقتل الإنسان ، و الزجال ميلود بابا بن العروي وظف هذه الحشرة ، كرمز ، لبيان موت التواضع في الإنسان .
لا جرم أن الرمز خلاقُ حركيةٍ ، وباعث على التأملِ ، غير أنه في اللغة العادية يخلق طقساُ لا مثيل له ، ويضفي على اللغة الدارجة أقصى درجات الفنية .
الرمز في الزجل المغربي والقراءة الخلاقة :
لم يعد الزجل إنتاجاً بسيطاً ، بل أصبح ، خلقاً فنياً يدْعو إلى التأمل والتحليل الواعي المتزن ، من خلال فك وتفكيك علاماته ، ورموزه المشحونة بدلالات ومعانٍ كثيرة ، غزيرة ، فالقارئ أصبح مطالبا بإعادة بناء النص الزجلي ، أي بناء دلالته ، ومن هنا تغدو اللغة الدارجة قابلة للانفتاح ، وقابلة لتصبح لغة فنية ، ولغة عامرة بالجمال والفنية ، وتنفي عنها وصمة ، الإساءة إلى النسق الفصيح ، إن اللغة الدارجة ، من خلال توظيف الزجل للرمز تصبح لغة عالية بشموخ فني .
يقول الكاتب هنري بير في كتابه (الأدب الرمزي ) :
" وبما أن في الرمز جمعاً لمعانٍ مختلفة وأحياناً عمقاً سحرياً يختبئُ خلف المظاهر ، فالأدب الرمزي يفرض على القارئ قراءة واعية ويدعوه إلى كشف المعاني الخفية في غوصه عليها . إذن ، فالقارئ مدعو إلى المساهمة في فكرة المؤلف ، وإلى ملاقاته في تفكيره ، وهذه القراءة الواعية ، المسماة لاحقا ، خلاقة ، تقرِّبُ القارئ من المقروء ... الرمز الحقيقي يجب أن يحافظ طويلاً على سحره وسره " (ص:10).
لو تتبعنا بعض ، لا كل ، النصوص الزجلية التي ينتجها الزجال ميلود بابا بن العروي ، لوجدْناها تدفع القارئ وبقوة إلى الغوص في أعماقها ، وهي ، كنصوص فنية ، لا ترضخ للقارئ ، ولا تعطيه كنوزها من الوهلة الأولى ، بل تحثه على التفتيش والتنقيب ، وقلب وتقليب الصورة / الرمز على وجهها ، حتى يصل ، أو يشارك الفنان في هذا البناء الأدبي الذي لا يتم إلا من خلال حوار بين المكتوب والمكتوب له .
لو لم يكن للرمز إلا هذه الفائدة لكفى ، فأنت ترى أنه ينقل اللغة العامية / الدارجة ، من مستوى تواصلي لا فنية فيه ، إلى مقامٍ إبداعي رفيعٍ ، ويخلق في ساحة اللغة الدارجة طقساً فنيا لذيذا .
خاتمة :
لا يمكن الزعم ، أن هذا المقال الصغير والمتواضع ، قد ألم بكل ما ينبغي الإلمام به ، فقد تحدثت بعجالةٍ خاطفةٍ ، فالرمز في النصوص الزجلية المغربية ينبغي أن يفرد في كتاب ، وقد دفعني للحديث عنه : أني رأيته يخلق في اللغة الدارجة قوة وحيوية ، وأدخلني في طقسٍ نفسيٍ لذيذ ، وشعرت أن اللغة الدارجة تعلو عن اللغة الدارجة من خلال الرمز ، وخلف الشكل والتقنية ، ثمة ، قوة التوظيف وطريقته ، التي أمتعتني عند الزجال ميلود بابا بن العروي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق