الأحد، 23 سبتمبر 2018

قراءة نقدية لقصيدتي "ألم المفراق" بقلم الناقد عبدالرحمن بكري

عبد الرحمن بكري
******
قراءة نقدية لقصيدتي "ألم المفراق" بقلم الناقد عبدالرحمن بكري
ألــــم الــفــــراق...!
يـا أُلْـــف عمــري تـحـمّــل و اعـتَــدِ الـجَـلَـدا
و ارحـم فُـؤادي ،فحُـزنـي مـا اخْـتـفـى أبــدا
فَـلا تــدَع بَـسـمــةَ الـمُـشـتـاق تُـعــرِبُ عَــن
شَــوقٍ و دمْــعٍ أمَــام الـحُــزن مَــا صَــمَـــدا
و كُـــن حَـريـصا عـلـى ذِكْــرى تُـلاحِـقُــنــي
هَـيْـهَـاتَ هَـيـهَـاتَ لَــوْ أَحـصَـيـتَـهـا عــــددا
و قُــل لِـمــن لـــمْ يَــذُق طـعـمَ الـفُـراقِ أَنــا
جَـرحِـي عَـمِـيـق و جَـمـرُ الـشّـوق مَـا خَـمَـدَ
أيّــتــهَـا الــبَـسـمَــة الـمـنْـسِـيَّــة انــتَـظِـــري
تَــرمِـيـم أطــرافَ قَــلــبٍ قُــطِّـعَــت قـِــددا
فَـمـا بُـكَـائِــي عـلــى مـن غَــاب مُـؤْتَـنـِـسـا
أبْـكِــي عــلـى مـــن أوَاهُ القَــبْــر وَ انـفَـــرد
هِــي الـحــيَــاة إذا ،و الــمـــوتُ سُــنّــتُــهــا
وَ الـقَــبـرُ ذِكـــرى حـبِـيـبٍ خَـلّـفــت كَــمــدا
إيّـــاكَ مَــن عِــشتَ عُـمــراً أن تُـجَـادلَــنِـــي
فَـالــدّورُ لابُـــدّ أَنْ يَــأتــي عَــلَـيــك غَــــذا
بقلم/هـبـولــة عـيـســـى
1/ في بعض خصائص القصيدة :
★في هندسة معمار القصيدة :
تتميز قصيدة الشاعر هبولة عيسى في هندستها المعمارية ، من انجذاب واضح إلى القصيدة العمودية وانشغال كامل بخصائصها التقليدية وأغراضها الشعرية في احترام كلي لبنائها العروضي ..المنسجم مع كيانها في الفضفضة وارتياد مألوف في عوالم البوح لإيقاع منتظم يعطي للجرس الموسيقى في بنية النص الداخلية رونقها وقبضها على أذن المتلقي ..
ولكي يحقق لقصيدته أبعاد التلقي ، استغل في ذلك البحر البسيط المشكل من تفعيلتين مختلفتين تتكرر أربع مرات في كل شطر ..
مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن ** مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن ..
مع تسجيل بعض التغيرات التي تطرأ على التفعيلة نتيجة زحاف الخبن في بعض الأبيات الشعرية ..
مما يفسح المجال أمام الشاعر من التعبير عن ذائقته بهامش واسع في تلقف صوره الشعرية ، ولفظ محسناته البديعية ، ووصف مشاعره النفسية ..بكل أريحية في تناغم لغوي ، من دون أن يسجل على هوامشه أي خطإ كان نحويا أو إملائيا أو تركيبيا أو صرفيا .. كما اعتمدت على تواصل لفظي .. وتواتر نفسي عميق .. يحفز على محاكاة درامية لما يعتمل الذات المنتجة من لواعج روحية وصور شعرية ولوعة وألم ..
★في انتقاء المعجم :
تتميز اللغة المتداولة في قصيدة ” ألم الفراق “ بانتقائية واعية للذات المنتجة في معاجم اللغة البسيطة المتمنعة ، تنحو إلى استعمال بليغ للواقع المعيش في مجالات الحزن ولحظات الفقد ومجاراة الألم للمشاعر الإنسانية .. ترجمتها حبكة عالية ودراية بارعة ، ولغة شفافة ، تعبر فضاء السماع ، وتقترب من مدارك القياس .. كما تنسج ألفة مع الفهم في حقول التداول بين القراء والمتلقين ..مما زاد فتنة النص الشعري ..
كما نعتبر أن الشاعر هنا يبتعد كثيرا عن بعض الذوات المتضخمة التي تحاول أن تسيج إبداعها خاصة في الشعر العمودي بتكلف مضني في اغتراف مفرداتها من جماجم الأموات ..
2/ في مضامين القصيدة :
★ العنوان علامة في لغة الفقدان :
شكلت جملة العنوان مفتاح مباشرا لعنف القصيدة على الأقل لدى الشاعر .. لأن محطة البوح تحاول أن تتماهى مع زمن الكتابة .. وبذلك تكون لحظة تكثيفية لقوة الحدث ..
_ فالألم ظاهرة وجدانية أساسية ، شعور حسي بالوجع الشديد ..يخترق بنية الجسد ويتعمق في مواضع الروح .. إحساس تترجمه تعابير شجية في منحنيات القصيدة ..
فما هو دافع الألم ..؟ هو نتيجة .. لأي شيء ؟
هنا اقترن بالفراق ..
_ الفراق .. عبارة عن انفصال لوصال عمر الحياة .. ويكون مرتبطا أشد الارتباط بالمكان فنقول عنه بعدا أو انفصالا وقد يكون حياتيا فنقول عنه افتقادا ..فيظل جرحا في القلب ، وغصة تملأ الصدر أنينا ودمعا ..
إذن فهي تجربة قاسية وحالة نفسية شاقة ..
وهذا ما تخبرنا به القصيدة
★ الشوق والحزن في قلب الوجدان :
نحن أمام نص بفعالية منتجة لمظاهر الحزن وقوة الشوق في متتاليات سيرة الفقد ..إذ تسعى إلى سبر أعماق الذات المتألمة ، وتوصيف ما يمور دواخلها الدفينة من داخل بنائية منتظمة ومتواترة .. تعي أن الألفة وسنين العمر ستظل سجنا تأسر بسمة الشاعر في اشتياقه الدائم لصورة الفراق .. دون أن نعرف من هو المقصود بهذه الهالة من البكاء .. كأنه يستحت وضعية الشقاء ، ويستلذ مفارقة ومخاصمة البسمة لثغور محياه ..رغم وعيه أن الصبر والتحمل من شأنهما أن تمنح فؤاده بعض العزاء ..إلا أنه مع ذلك يستأثر بنية الحزن في عمق الذات ..
لذلك يمكن اعتباره نصا إنتاجيا بصيغة المفرد ..ينحت سيرة ألم ساكن ..لكنه منفتح على تجارب الألم الأخرى في حدود الاختلاف البسيط .. بين جميع الناس ..
إلا أن إحساس الشاعر يظل مرهفا في الاتجاهين الفرح والحزن باعتماده تفاصيل دقيقة في الاقتراب من مضامين إنسانية بقيمة وجودية ..
★دلالة الموت والحياة بالنسبة للإنسان:
هو نص ساطع على وضع فاجع .. تتصدره دلالة لمنادى نكرة يتخلل صورة التلقي ناصحة في التحمل والجلد .. تتسيده ذكرى مصلوبة على حزن غمر الفؤاد ويغمر الوجدان أبد الدهر..
كقيمة إنسانية في مواصلة ركب الحياة
قصيدة ترثي فقْدا ثقيلا .. ( أب ...أم .. ابن ) والعمر بعد أن صار الإنسان مكتملا ، مقتدرا ، كما صار لا زال التوق إليه أي المفقود حاضرا وبالتالي تصير الموت دلالة لا تفارق عين الشاعر .. وكأن القبر دال رمزي ينتصر للموت .. وهذا ما تعلن عليه القصيدة في آخرها كتذكير يحجب قيمة الحياة كلحظة تستوجب في نظري احتفائية بامتياز ..
فوحدها الدموع تغسل وجه الحياة ، وتسح حبرا وترياقا يعيد للبقاء نشوة النصر..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق