الأحد، 23 سبتمبر 2018

قراءة نقدية لقصيدة "وجهتي أنا" (مليكة الجباري)

سعيد فرحاوي‎ 
مليكة الجبارى تقصد ذاتها ملجأ، بحثا عن دفئ الاغتراب في الذات الهاربة من ذاتها.
النص: وجهتي أنا (مليكة الجباري)
قال :
اعتذري...
قلت :هل اعتذر
لأني قبلت الشمس بين الفصول؟
لأني غازلت النهر الغامض
في استراحته؟
هل اعتذر
لأني سمعت قصيدة لمظفر النواب ..قمم..؟
على رسلك ..!!!
ربما أعتذر لأني دندنة أغنية مارسيل يانسيم الروح؟
لن اعتذر..
على قارعة الطريق سأصرخ على كل الوجوه الملونة
لن اخاف هذه المقبرة الصامتة بجانبي..
سأشرب قهوة سوداء بدون سكر
يسألني الغريب أين وجهتك ؟
قلت ..
وجهتي هي أنا
وجهة لا تختلف عن وجهة كل امرأة لها ظل
سكبت كأس ماء بارد على وجهها
حدقت في وجه عقلها
لن أعتذر...
لأني نظمت الشعر
لأني كسرت قافية مرفوضة
بلساني..
لن أدخل قصر الريح
لن أهديك مفاتيح مزورة ..
لن أصبح أميرة في المنام
يسرقون عطرها
يصادرون أغراضها
قالو ا لها كوني نحن
كوني لاشيئ...
مليكة الجباري// باريس
واي هروب هذا !!!، اهو هروب من تسكعات ذات فقدت كل البوصلات ، فلم تجد سوى ذاتها جغرافية لاخر سكون ، !!! انها الشظايا المتبقية في متاهة واقع من صنع الشعر. . يبني قصوره هياما ، يرتب المسافات الخواء في كل المفتقدات الحاضرة على صدى روح بلا جسد، ، او شتاتا في خواء يمهد للعدم المرتقب،... نشيدها هنا ، لاهاذا ولاذاك في دوامة امرأة تعيد التأويل حسب فهمها، لانها في شتاتها تقصدنا من ذاتها اولا لتمشط نظراتنا وتعلمنا معنى الانتظار في حلم السراب، بل تجرنا امطارا ، ننتظر حمقا في ابتسامتها المنكسرة، ترثلنا كلاما لكلامها عندما قصدت ذاتها لتعلو بنا في انحطاط لانعرف حدوده، مليكة الجباري تنطلق هائجة بصمت خفيف لتكلمنا عن هوية وجهتها ، فجاءت ذاتها تحمل الوان الاعتذار المرفوض، ليس لها وجودا خارج اختياراتها التي جاءت بحرارة الشمس لتلون شروقها الزائل، بل لتجر دفأها في فصل مشروط ، لها نهرها الخفي في اعماقها ينشطر رمالا على حقول قبلها السائلة في جهتها .
امرأة حددت موقعها على دندنات مظفر النواب وهو يبتسم لنسيم الريح المعلول، كما غنت لمارسيل وهو يعانق اوجاع وطن مشلول على عتبات الضياع الابدي، كما رتبت حقول محمود درويش وهو يغني للصباح لذة قهوة امه ، وريتا تخفي نظراتها من بعيد لتذكرنا بماض كان يوما يجر المتاهات فينا، كلها اختيارات منشقة من محيط جهتها وهي مطالبة باعتذار عابر بلا سؤال، امرأة تحمل حزنها كالثلج وهو يتذفق من ضجيج ليل صارخ، او سيدة لها من الاحلام مايكفي تأجيلها لانتظارات اخرى لم تحدد بعد اوطانها، كل المحيطات قربها وسامة غريب يجرها صوب وجهته المقعرة ، كل الطرق ممرات صغيرة خارج حسبانها، فقط لانها قارعة الطريق تغني للوجوه الملونة حكمة مقبرة الصمت، او تغزل وسامة الدجى وهي تتلذد قهوة صباحها الاول بلا ملح ولا سكر، فوجدت نفسها في خواء عزلتها جغرافية لمطلب غابر فيها ارادوه لها ان يكون تيها في العدم ، يحدد الاوان للاشيء..
تلك حكاية امرأة رسمت حدودها على جبينها لتصبج وجهة لذاتها عندما اختارت ان تعلو عنا فتصبح ضياء في اغترابها . انها المرأة الصلبة التي ترى ماتريد، وتشاء مااختارته ضوء لقراراتها الخاصة وهي تسمو صوبها لتصبح مملكة في ذاتها بلا اعتذار.
تلك هي مليكة الجباري، وذلك هو الوطن الذي صنعته من ريح حمقها وهي تصبو بنا صوبها لتعلمنا حدود وجهتها فيها قبل اقتراب الصمت المتشظي في الوان بلا طيف. وذلك هو الشعر الذي يجرنا نحو المتاهات ، فتتغير المعاجم وتتلون الرؤى ، وينكمش الكون ليعاد صناعته بالصيغة التي يحلم بها الشعراء وهم يموقعون ذواتهم على الارض الخواء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق