Abdelkbir El Gana
***************
***************
يتحدد وضع الشاعرة في هذه القصيدة بِبُعد الغائب عنها، والإحالة عليه بضمير المخاطب ( لرؤياك ـ ذكراك ـ بعدك ـ غيابك )، تقريبا له منها . أما حالتها فتجليها الألفاظ التالية ( الشجون ـ الشوق ـ الأماني ـ الانكسار ـ الوجد ـ اللوعات ـ الحلم ـ واليأس..). وبين الوضع والحالة تتأرجح الذات الشاعرة بين الأمل واليأس، كشراع تتقاذفه رياح الغنائية، ويتهادى بنغمات وتر الوجدان .
فكيف حولت الشاعرة الغياب من وضع وحالة إلى لحظة فنية ؟ وكيف تمثلته في معجمها الذهني، وشكلت له صورة وجدانية، وجعلته رمزا، يعطي لوجودها معنى، فأصبح له رنين ؟ وما هي التقابلات التي جسدت مسار انبناء المعنى في النص ؟
لقد تم إسناد الرنين إلى الغياب للدلالة على صداه وأثره في الوجدان .. ولهذا الإسناد أثر نفسي، يبعث على الانكسار والإحباط والشعور بظلمة اللحظة المعيشة، فالغياب يتعلق بوجود الفرد، وعلاقته بمحيطه، وهو حد لجموح الذات نحو لحظة توازن هاربة وغبطة مستعصية، وعند هذا الحد تنكسر الذات، فالغائب محبوب جدا لا محالة .. وحضوره المستحيل قد يجعل العالم أكثر امتلاء، ويحول الحياة إلى لحظة غبطة وسرور، وتحقق، واكتمال، وتملُّك ..
لكلمة "الغياب" كثافة دلالية في النص، فهي بؤرة الحديث، تستمد بُؤَريتها من مرجعية الذات في علاقتها بالغائب، فكثير من الألفاظ والعبارات تؤول إليها ( بعثرني / شظاياي ألقاها / لهيب شوق لرؤياك / اجتاحت ذكراك الشغاف / كسرني الغياب / يحاكي ما بالروح من وجد ولوعات ..)
الغياب غياب في المكان الذي تراوحه الشاعرة، مقابل حضور الغائب في تجاويف الحلم والسهاد . لذلك تبدو منفصلة عن الأشياء من حولها، تتحسس مُشاركة الطبيعة لحالتها ووجودها، والتماهى فيها، فهي مرآة لتجربتها (مهب حبات برَد و ريح شجون / اجلاني بين الهضاب و الوهاد / غادرت البلابل الأغصان / هل للربيع عود بعدك ؟! / غيابك خريف الأبد ) . فالطبيعة أصبحت انعكاسا للذات ولواعجها وانكساراتها، ولم تعد عناصرها تسعف لإيجاد البديل ؛ إذ العصافير بدون بوح ولا غناء، الربيع لن يعود ، لا قصيد ولا لحن يفرج كروب النفس .. فلم تجد بدا من أن تبحث عن مخرج من حالة اليأس بالأمل والحلم، وملء الشقوق وفجوات الأمس واليوم بفاعلية الشعر، عسى أن تحظى بنفسها في لحظة توازن فنية، فتغير صورة العالم من حولها، وتستبدل بالشعر الغياب .
تنقل القصيدةُ التجربةَ إلى المتلقي، وتُعطي للكلام طابعا تخاطبيا. فما تجليات أَسْلَبَةُ اللغة وصياغُتها في بنية نصية متماسكة، تعكس هذه التجربة ؟
أحال الغياب الشاعرة إلى ذات متشظية مكسَّرة، فبدتْ ضميرَ متكلم بدون ملامح أو هوية واضحة المعالم . أما الغياب فحالة متصلة، تترك للشاعرة ذكريات تتراءى في الحلم والسهاد . من جهة أخرى أحال زمنَها إلى زمن مبهم، يناظر زمن الغياب . ففي لحظات الانكسار ينمحي إيقاع الزمن، وتتوالى الأفعال الدالة على الحالة، والمصادر الموحية بالسكون .
ويتجلى هذا الوضع تركيبا في ظاهرة العطف، وأسلوبا في الفصل . لقد جاء العطف فقط بين المفردات الدالة على عناصر الطبيعة اساسا، وكأن بين الجمل كمال الانقطاع، فتحقق الفصل بينها، وهذا أسلوب بلاغي يلائم حالة الذات المتشظية المنكسرة المكتوية بلظى الغياب، لذلك تواترت الجمل الدالة على الحالة بإيقاع متقطع يحيل على النفس المتشظية بلا لُحمة ولا رابط ، وذلك عكس الذكريات، وأشياء الطبيعة، والأمل في عودة الغائب . ومعلوم أن حرف العطف " الواو" يفيد مطلق الجمع والاشتراك في المعنى بين المتعاطفين إن كانا مفردين، ولا يفيد الدلالة على ترتيب زمني بينهما .
هذا التقطيع الزمني للحالة جعل للقصيدة منحنى انفعاليا، يتدرج وفق إيقاع يضبطه التقابل بين حال الشاعرة وواقع الغياب، سعيا للخروج من آثار الغياب النفسية والوجدانية، ومحاولة التغيير اليائسة . إن الشاعرة عاجزة أمام قوة الحركة الأفقية التي تندرج في تيارها ظاهرة الغياب . كما جعل الصورة درامية، تتفاعل في بنائها عناصر الذات والطبيعة، وتكشف عن تأرجح النفس بين الأمل واليأس، وتعكس أجواء الانكسار الطافح بدلالات الحزن . وكأنها وسيلة فنية للقبض على زمن مراوغ يُفلت من الإنسان تحت وطأة الغياب، وتبعاته الوجدانية .
...
نص القصيدة :
للغياب رنين
فكيف حولت الشاعرة الغياب من وضع وحالة إلى لحظة فنية ؟ وكيف تمثلته في معجمها الذهني، وشكلت له صورة وجدانية، وجعلته رمزا، يعطي لوجودها معنى، فأصبح له رنين ؟ وما هي التقابلات التي جسدت مسار انبناء المعنى في النص ؟
لقد تم إسناد الرنين إلى الغياب للدلالة على صداه وأثره في الوجدان .. ولهذا الإسناد أثر نفسي، يبعث على الانكسار والإحباط والشعور بظلمة اللحظة المعيشة، فالغياب يتعلق بوجود الفرد، وعلاقته بمحيطه، وهو حد لجموح الذات نحو لحظة توازن هاربة وغبطة مستعصية، وعند هذا الحد تنكسر الذات، فالغائب محبوب جدا لا محالة .. وحضوره المستحيل قد يجعل العالم أكثر امتلاء، ويحول الحياة إلى لحظة غبطة وسرور، وتحقق، واكتمال، وتملُّك ..
لكلمة "الغياب" كثافة دلالية في النص، فهي بؤرة الحديث، تستمد بُؤَريتها من مرجعية الذات في علاقتها بالغائب، فكثير من الألفاظ والعبارات تؤول إليها ( بعثرني / شظاياي ألقاها / لهيب شوق لرؤياك / اجتاحت ذكراك الشغاف / كسرني الغياب / يحاكي ما بالروح من وجد ولوعات ..)
الغياب غياب في المكان الذي تراوحه الشاعرة، مقابل حضور الغائب في تجاويف الحلم والسهاد . لذلك تبدو منفصلة عن الأشياء من حولها، تتحسس مُشاركة الطبيعة لحالتها ووجودها، والتماهى فيها، فهي مرآة لتجربتها (مهب حبات برَد و ريح شجون / اجلاني بين الهضاب و الوهاد / غادرت البلابل الأغصان / هل للربيع عود بعدك ؟! / غيابك خريف الأبد ) . فالطبيعة أصبحت انعكاسا للذات ولواعجها وانكساراتها، ولم تعد عناصرها تسعف لإيجاد البديل ؛ إذ العصافير بدون بوح ولا غناء، الربيع لن يعود ، لا قصيد ولا لحن يفرج كروب النفس .. فلم تجد بدا من أن تبحث عن مخرج من حالة اليأس بالأمل والحلم، وملء الشقوق وفجوات الأمس واليوم بفاعلية الشعر، عسى أن تحظى بنفسها في لحظة توازن فنية، فتغير صورة العالم من حولها، وتستبدل بالشعر الغياب .
تنقل القصيدةُ التجربةَ إلى المتلقي، وتُعطي للكلام طابعا تخاطبيا. فما تجليات أَسْلَبَةُ اللغة وصياغُتها في بنية نصية متماسكة، تعكس هذه التجربة ؟
أحال الغياب الشاعرة إلى ذات متشظية مكسَّرة، فبدتْ ضميرَ متكلم بدون ملامح أو هوية واضحة المعالم . أما الغياب فحالة متصلة، تترك للشاعرة ذكريات تتراءى في الحلم والسهاد . من جهة أخرى أحال زمنَها إلى زمن مبهم، يناظر زمن الغياب . ففي لحظات الانكسار ينمحي إيقاع الزمن، وتتوالى الأفعال الدالة على الحالة، والمصادر الموحية بالسكون .
ويتجلى هذا الوضع تركيبا في ظاهرة العطف، وأسلوبا في الفصل . لقد جاء العطف فقط بين المفردات الدالة على عناصر الطبيعة اساسا، وكأن بين الجمل كمال الانقطاع، فتحقق الفصل بينها، وهذا أسلوب بلاغي يلائم حالة الذات المتشظية المنكسرة المكتوية بلظى الغياب، لذلك تواترت الجمل الدالة على الحالة بإيقاع متقطع يحيل على النفس المتشظية بلا لُحمة ولا رابط ، وذلك عكس الذكريات، وأشياء الطبيعة، والأمل في عودة الغائب . ومعلوم أن حرف العطف " الواو" يفيد مطلق الجمع والاشتراك في المعنى بين المتعاطفين إن كانا مفردين، ولا يفيد الدلالة على ترتيب زمني بينهما .
هذا التقطيع الزمني للحالة جعل للقصيدة منحنى انفعاليا، يتدرج وفق إيقاع يضبطه التقابل بين حال الشاعرة وواقع الغياب، سعيا للخروج من آثار الغياب النفسية والوجدانية، ومحاولة التغيير اليائسة . إن الشاعرة عاجزة أمام قوة الحركة الأفقية التي تندرج في تيارها ظاهرة الغياب . كما جعل الصورة درامية، تتفاعل في بنائها عناصر الذات والطبيعة، وتكشف عن تأرجح النفس بين الأمل واليأس، وتعكس أجواء الانكسار الطافح بدلالات الحزن . وكأنها وسيلة فنية للقبض على زمن مراوغ يُفلت من الإنسان تحت وطأة الغياب، وتبعاته الوجدانية .
...
نص القصيدة :
للغياب رنين
بين فجوات اليوم و الأمس ...
بعثرني الهدوء .
شظاياي ألقاها ...في مهب
حبات برَد و ريح شجون
كسرني الغياب ....
في الأعماق اندلع
لهيب شوق لرؤياك
اجتاحت ذكراك الشغاف
رعشة تجوب طولا وعرضا
الوريد و الشريان ...
في مآقيها جفت الأماني
ألعذاب ....
كسرني الغياب
اجلاني بين الهضاب
و الوهاد ...
لا لحن ولا قصيد ،
يجلي بثور البعاد
لا لحن ولا حرف
يحاكي ما بالروح
من وجد ولوعات .
كسر مرآتي الغياب
عم الضباب العين والفؤاد.
غادرت البلابل الأغصان
تعطلت عن البوح و الغناء .
هل للربيع عود بعدك ؟!
غيابك خريف الأبد ..
يا حاضرا في تجاويف
الحلم والسهاد .
بعثرني الهدوء .
شظاياي ألقاها ...في مهب
حبات برَد و ريح شجون
كسرني الغياب ....
في الأعماق اندلع
لهيب شوق لرؤياك
اجتاحت ذكراك الشغاف
رعشة تجوب طولا وعرضا
الوريد و الشريان ...
في مآقيها جفت الأماني
ألعذاب ....
كسرني الغياب
اجلاني بين الهضاب
و الوهاد ...
لا لحن ولا قصيد ،
يجلي بثور البعاد
لا لحن ولا حرف
يحاكي ما بالروح
من وجد ولوعات .
كسر مرآتي الغياب
عم الضباب العين والفؤاد.
غادرت البلابل الأغصان
تعطلت عن البوح و الغناء .
هل للربيع عود بعدك ؟!
غيابك خريف الأبد ..
يا حاضرا في تجاويف
الحلم والسهاد .
خديجة بوعلي
المغرب
المغرب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق