Mohamed Labib
*******************
** كالمشي على الماء**
اقتراب قرائي..من نص شعري للشاعر نور حنيف..مقتطف من ديوانه المرتقب الموسوم ( اشياء...أقترضها من الشيطان )..
في هذا العنوان " الآبق " في كينونته الفنية..يصرح الشاعر نور حنيف..بان لديه اشياء يستعيرها من الشيطان..واحسانا للظن بالشاعر أرجح انه شيطان شعره..اذ لكل شاعر شيطان او شيطانة..غير ان الذي استفز غريزتي القرائية..وألجأني الى مضايق التأويل..هو هذه الصدمة التي حققها هذا العنوان قبل الولوج الى مغارة النص..غرائبية العنوان يكتسبها من امور كثيرة..من أطلاقية التنكيروصيغة الجمع في كلمة " أشياء " ..وفي ان الأمر يتعلق فقط باستعارة مؤقتة..وسيكون للشاعر لقاء آخر مرتقب بالشيطان لا يعرف القارى زمانه ولا مكانه..لقاء يسترد فيه الشيطان أغراضه..بعد ان يكون الشاعر قد قضى منها الوطر..ثم تمثل في العنوان لفظة " الشيطان " بكل حمولتها الدينية الرمزية الدالة على فتح باب المعصية للامر الالاهي في اول بداية الوجود الانساني..فتتعمق بذلك غرائبية العنوان..من يستطيع التعامل مع الشيطان؟؟!.من يستطيع طرق بابه واستئذانه في ان يقترض منه بعض اغراضه؟!..هل تكون جرأته؟..هل تكون قدرته على الجدال والمماحكة واعمال القياس
( خلقته من طين وخلقتني من نار)..من يستطيع ذلك غير
شاعر لا يرفض له الشيطان طلبا..
يبدا الشاعر نور نصه بالوقوف عند موضوعة الدم.." في دمي رجل " ..وكأنه بوعي او بغير وعي يستحضر الاثر النبوي " ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " ..وكثيرا ما يتحدث الشعراء عن الدم ..فهو موضوع محبب لديهم في سياقات شعرية مختلفة..في الغزل حيث يتأوه الشاعر من محبوبة تسفك دمه في الأشهر الحرم..وآخر يرى دمه في وجنتيها.." هذا دمي في وجنتيك عرفته..لا تستطيع جحوده عيناك.."
وفي سياق الحماسة حين يفخر الشاعر بقومه في الوغى حين يوردون الرايات بيضا ويصدرونهن حمرا قد روين من دم الأعداء..ويرى الشاعر الجاهلي بحكمته ان الانسان بأصغريه..لسانه وقلبه..ومن دونهما لا يكون المرء سوى صورة لحم ودم..وشاعر آخر يقول في حماسته .. " ونحكم بالقوافي من هجانا ...ونضرب حيث تختلط الدماء.. " ..
لكن الشاعر في هذا النص ينظر في دمه فيرى فيه صورة رجل..غير ان معنى هذه الرجولة مايكاد يظهر حتى يتوارى خلف الظل..ثم من معنى الظلة يتناسل معنى العدم فيأتي السؤال..هذا الانحدار الرمزي من الرجولة الى الظلة الى العدم ثم الى السؤال..يفضي الى النفي المنسجم مع العدم المذكور آنفا..
" لست انا من قدر ".. وباستحضار معنى القدر تتناسل المعاني المرتبطة بكل المقدورات الواقعة في مقدور الله..الشجر..المطر..القمر..الحجر..
وقد استحضر الشاعر هذه الموجودات بشكل متساو في الدلالة على الوجود بكونيه العلوي( مطر..قمر )..والسفلي ( شجر ..حجر )..يفعل الشاعر ذلك لكي تتضح المسافة الفاصلة بين الوجود العام ووجوده الذاتي الشخصي..كي يتلمس الشاعر حدود كينونته الآبقة..عبر عنها بقوله " حجمي الآبق " ..اي الخارج عن حدود الفة الأشكال..وقد عبر عنها الشاعر بالتشابه في " أروقة القمر " ..وحين تتضح هذه المسافة الفاصلة يبدأ الشاعر في ممارسة لعبته المفضلة وهي اختراع الأشكال والصور..فيخترع لحجمه شكلا مستديرا..لكن لا يكون قمرا برغم استدارته...والاستدارة هي الشكل الاسهل في الحركة والتحريك في كل اتجاه..وتبدأ هذه الحركة في اتجاه تحقيق الاختلاف عن بلادة الحجر..
استنادا الى ما سبق يتضح للقارئ الى اي مدى كان الشاعر نور حنيف قادرا على صوغ هذا النص البديع في " آبقيته " صوغ السبيكة الذهبية...لا يعرف مبتدا الجمال فيها من منتهاه.÷
محمد لبيب-- قراءات نقدية ( الى أن ينام القمر ).÷
من ديواني المرتقَب " أشياء ، أقترضُها من الشيطان "
--
في دمي رجلٌ ... و ظلّ
و في عدمي ... سؤال
لستُ أنا من قدّرَ ... سِيرَةَ الشّجر
و لا من آوى في جيبِهِ
نحيبَ المطَر
لكنّنِي ... و أنا المتشابِهُ
فِي أرْوقةِ القَمر
اخْترعتُ لحجْمِيَ الآبِق
شكْلاً مسْتدِيراً
حتّى أختلِفَ ... و لوْ إلى حينٍ
عنْ بَلادَةِ الْحجر
--
يتبع
--
نون حاء
*******************
** كالمشي على الماء**
اقتراب قرائي..من نص شعري للشاعر نور حنيف..مقتطف من ديوانه المرتقب الموسوم ( اشياء...أقترضها من الشيطان )..
في هذا العنوان " الآبق " في كينونته الفنية..يصرح الشاعر نور حنيف..بان لديه اشياء يستعيرها من الشيطان..واحسانا للظن بالشاعر أرجح انه شيطان شعره..اذ لكل شاعر شيطان او شيطانة..غير ان الذي استفز غريزتي القرائية..وألجأني الى مضايق التأويل..هو هذه الصدمة التي حققها هذا العنوان قبل الولوج الى مغارة النص..غرائبية العنوان يكتسبها من امور كثيرة..من أطلاقية التنكيروصيغة الجمع في كلمة " أشياء " ..وفي ان الأمر يتعلق فقط باستعارة مؤقتة..وسيكون للشاعر لقاء آخر مرتقب بالشيطان لا يعرف القارى زمانه ولا مكانه..لقاء يسترد فيه الشيطان أغراضه..بعد ان يكون الشاعر قد قضى منها الوطر..ثم تمثل في العنوان لفظة " الشيطان " بكل حمولتها الدينية الرمزية الدالة على فتح باب المعصية للامر الالاهي في اول بداية الوجود الانساني..فتتعمق بذلك غرائبية العنوان..من يستطيع التعامل مع الشيطان؟؟!.من يستطيع طرق بابه واستئذانه في ان يقترض منه بعض اغراضه؟!..هل تكون جرأته؟..هل تكون قدرته على الجدال والمماحكة واعمال القياس
( خلقته من طين وخلقتني من نار)..من يستطيع ذلك غير
شاعر لا يرفض له الشيطان طلبا..
يبدا الشاعر نور نصه بالوقوف عند موضوعة الدم.." في دمي رجل " ..وكأنه بوعي او بغير وعي يستحضر الاثر النبوي " ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " ..وكثيرا ما يتحدث الشعراء عن الدم ..فهو موضوع محبب لديهم في سياقات شعرية مختلفة..في الغزل حيث يتأوه الشاعر من محبوبة تسفك دمه في الأشهر الحرم..وآخر يرى دمه في وجنتيها.." هذا دمي في وجنتيك عرفته..لا تستطيع جحوده عيناك.."
وفي سياق الحماسة حين يفخر الشاعر بقومه في الوغى حين يوردون الرايات بيضا ويصدرونهن حمرا قد روين من دم الأعداء..ويرى الشاعر الجاهلي بحكمته ان الانسان بأصغريه..لسانه وقلبه..ومن دونهما لا يكون المرء سوى صورة لحم ودم..وشاعر آخر يقول في حماسته .. " ونحكم بالقوافي من هجانا ...ونضرب حيث تختلط الدماء.. " ..
لكن الشاعر في هذا النص ينظر في دمه فيرى فيه صورة رجل..غير ان معنى هذه الرجولة مايكاد يظهر حتى يتوارى خلف الظل..ثم من معنى الظلة يتناسل معنى العدم فيأتي السؤال..هذا الانحدار الرمزي من الرجولة الى الظلة الى العدم ثم الى السؤال..يفضي الى النفي المنسجم مع العدم المذكور آنفا..
" لست انا من قدر ".. وباستحضار معنى القدر تتناسل المعاني المرتبطة بكل المقدورات الواقعة في مقدور الله..الشجر..المطر..القمر..الحجر..
وقد استحضر الشاعر هذه الموجودات بشكل متساو في الدلالة على الوجود بكونيه العلوي( مطر..قمر )..والسفلي ( شجر ..حجر )..يفعل الشاعر ذلك لكي تتضح المسافة الفاصلة بين الوجود العام ووجوده الذاتي الشخصي..كي يتلمس الشاعر حدود كينونته الآبقة..عبر عنها بقوله " حجمي الآبق " ..اي الخارج عن حدود الفة الأشكال..وقد عبر عنها الشاعر بالتشابه في " أروقة القمر " ..وحين تتضح هذه المسافة الفاصلة يبدأ الشاعر في ممارسة لعبته المفضلة وهي اختراع الأشكال والصور..فيخترع لحجمه شكلا مستديرا..لكن لا يكون قمرا برغم استدارته...والاستدارة هي الشكل الاسهل في الحركة والتحريك في كل اتجاه..وتبدأ هذه الحركة في اتجاه تحقيق الاختلاف عن بلادة الحجر..
استنادا الى ما سبق يتضح للقارئ الى اي مدى كان الشاعر نور حنيف قادرا على صوغ هذا النص البديع في " آبقيته " صوغ السبيكة الذهبية...لا يعرف مبتدا الجمال فيها من منتهاه.÷
محمد لبيب-- قراءات نقدية ( الى أن ينام القمر ).÷
من ديواني المرتقَب " أشياء ، أقترضُها من الشيطان "
--
في دمي رجلٌ ... و ظلّ
و في عدمي ... سؤال
لستُ أنا من قدّرَ ... سِيرَةَ الشّجر
و لا من آوى في جيبِهِ
نحيبَ المطَر
لكنّنِي ... و أنا المتشابِهُ
فِي أرْوقةِ القَمر
اخْترعتُ لحجْمِيَ الآبِق
شكْلاً مسْتدِيراً
حتّى أختلِفَ ... و لوْ إلى حينٍ
عنْ بَلادَةِ الْحجر
--
يتبع
--
نون حاء

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق