الجمعة، 26 أكتوبر 2018

تحليل ورؤية بقلم الباحثة ازدهار محمد ناصر /سوريا/


 Ezdehar Naser
************************

قصد وقصيد ورؤية سيميولوجية
تحليل ورؤية بقلم الباحثة ازدهار محمد ناصر /سوريا/
النص جابر عيده /سوريا/
*********************
هلْ قرأتِ وجيبَ دمي في يديكِ ؟
وهلْ كان صحواً غمامُ الخريفْ ؟
وما ضاءَ من ذهبٍ .
في عيونكِ أو في غناءِ الشجرْ
يهربُ العمرُ منّا إذا أغرقتنا
المآقي في مائها الخلّبيّ
إذا كان هذا السوادُ بياضاً
وكانت شموسُكِ تنأى
وتَرقبُ هذا السفرْ ..
غيرَ أنّي كتَبْتُكِ في دفتري كالشّتاءِ
وأمطرتُ فيكِ دمي
وارتشفْتُ كؤوسكِ حتى الثمالةَ
ثم رأيتُ بأنّكِ كُنْتِ بدايةَ نومي
وكنتِ جمالَ الأثرْ
عندما طيفُكِ المتحدّرُ من نهرِ اشتياقي
آثرني ثم عانق شوقي ُ وأبدعَ كلّ الصوَرْ ..
********
جابر عيده
 ====================
القصد من القصيد بقلم الأستاذه Ezdehar Naser

(آثرني ثم عانق شوقي وابدع كل الصور ) تسابقت الحروف في مضمار نهايه دون عنوان ودون قفلة في النص تركه شاعرنا منفلتاً فتربع القصد من القصيد على عرش سطور العشق والشوق .. واشرأبت اعناق الكلمات متراقصة بالألم بسؤال تلاه سؤال ثم استفهام يتضمن جواب وأي جواب قد امتشق من لجة هذا المحتوى .. راقصا من الألم على حبل ممدود بين سؤالين بصيغة الماضي واستفهام .. الأول ( هل قرأتِ وجيب دمي في يديكِ ) والثاني (وهل كان صحوا غمام الخريف ) اشارة عن طريق الخريف الى الإفول والغياب القريب .. والاستفهام (وما ضاء من ذهب ) جعلت المتلقي يبحث .. يفتش .. ينقب .. مابين الافعال الماضيه عن فعل حاضر متحرك او سين تسبق الفعل في المستقبل . فكان الغياب للمستقبل واضحا تركه الشاعر للمتلقي مما جعله يستشعر عن طريق ما اشار ودل الشاعر من حلو الصور بالمعنى والمبنى الى ذاك الجواب الأخضر اللون بملحمية واضحه مابين غناء الشجر وهروب العمر اذا اضعناه في البكاء بإشارته منبهاً الى ان (البكاءالخلّبي) البكاء لايغني ولا ينفع حيث استعار كلمة خلّبي من الرصاص والقنابل الخلبيه التي هي صوت فقط يخيف ولا يقتل العدو الداني الدنيئ باستخدام اذا الشرطيه العائدة الى هروب العمر ( يهرب العمر ) ايضا اكده باستخدام إشاره أخرى على السواد (هذا السواد) الذي هو افتراضيا كان بياضا .. ثم يضيف بفعل الماضي اشارة للماضي (كانت شموسك) تبتعد وتغيب يؤكدها بكلمة السفر المسبوقه بالاشارة (هذا) ( ترقب هذا السفر ) وغمام الخريف والدموع الخلبيه والشموس التي تنأى وهي تراقب السفر .. كأن شاعرنا يقول كل ذالك لايجدي ولاينفع ثم يتابع مخاطباً اثتثناء عن ماسبق اشارة الى عدم الرضا والقبول والخنوع بعزيمته الوقّاده بقوله (غير اني كتبتك في دفتري كالشتاء وامطرت فيك دمي ) استعارة الكتابه في دفتري اي وضعتك ضمن أولوياتي في عقلي وفكري .. واستعارة من الشتاء والمطر فعلهما المعروف في الدلالة الى السقايه والنماء عن طريق الإنبات ثم استخدام الفعل المضارع الذي يدل على الحركه (أمطرتُ ) (وأمطرت فيكِ دمي ) موجها خطابه إلى الأرض متساميا معطاء لأغلى شئ عنده الدم ليروي بها الأرض لكن هنا النماء مختلف هنا النماء دلالة على العيش الرغيد لكن بالعزة والكرامة ربما القصد هنا لمن يسكن الأرض خاصته من اهل وولد وتلد . ثم اعتراف من الشاعر بالخير الوفير والعطاء بلا حدود بصورة بديعه حيث قال مستأنفا باستخدام (الواو) قبل فعل (ارتشفتُ) (وارتشفت كؤوسك حتى الثمالة) ويعود للماضي مرة اخرى رأيتُ وتأكيدا على الماضي (كنتِ ) مكررة بقوله (رأيت بأنك كنتِ بداية نومي ) يقصد بها أنا الآن أستيقظُ الذي استبدله بالفعل الماضي (كنتِ) بداية نومي .. ايضا كرر فعل كنتِ تأكيدا (كنت ِجمال الأثر) والأثر هنا تعني مابقي كما تترك الاقدام اثرها على الأرض عند الرحيل .. وترك سؤالا للمتلقي متى حدث هذا كله وكأنه يجيب عندما طافت بي الذكريات ثم الشوق والحنين الجارف الى مامضى من جمال وحياة حلوة باستخدام كلمة (المتحدر ) من نهر اشتياقي لم يكتفي بكلمة الشوق فقط فهي تحمل نفس المعنى ولكن اضاف عليها للزيادة كلمة المنحدر لتكن اكثر قوة كما النهر عندما يمشي منحدرا من الأعالي يجرف ما يعلق به بقوة اكثر من جريانه العادي على أرض منبسطة.. لنحصل على القصد من كل ماذكر سابقا بهذه العبارة (آثرني ثم عانق شوقي وابدع كل الصور) .. نستنتج من كل ما سبق بان شاعرنا لم يستخدم سين المستقبل تركها محفزا للقارئ و للأجيال القادمة ان يحذو حذوه المهور بخاتم الولاء للأرض التي نعيش عليها وسيعيش عليها اولادنا ثم أحفادنا بأن يمطروا دمائهم الملونه بألوان المحبة المعتقه كما هو أمطر دمه لأنه قد وصل حالة الذهول وصولا الى السّكر والثمالة من شدة الحب وأي حب هذا حب من ؟ (وارتشفت كؤوسك حتى الثمالة ) بداية أوهمنا الشاعر بشعوره انه يخاطب انثاه ولكنه بالحقيقة يخاطب الأرض التي هي بالأصل أنثى خاطبها برمزية الأنثى وهو محق الانثى وطن والوطن انثى ينوه بخطابه للجميع ومشيرا للحلم والاستيقاظ من غفوة ما يحدث على ارض الواقع بدعوته للإ ستيقاظ المختبئة خلف أسوار الحلم ( ثم رأيتك .. بداية نومي ) شاعرنا فعلا أبدعت فيما أخفيته داخل نفسك وأوصله لنا بطريقة السهل الممتنع من خلال ما استخدمت من ادوات النص المثقل بحمل بكمٍ من المفردات والإشارات والدلالات وبأجمل العبارات والصور البيانيه والاستعارات والكنايات ... بالنهايه والحالة الكليه لن اقول ان الشاعر ترك النص بلا عنوان او ان انفلات النص بالقفله والنهاية إنه ضعفا من الكاتب بل اقول وبشده انا ازدهار ناصر قد اعجبني وإن قوة النص بهذا الإنفلات الذي كان بمثابة الدعوة وكأنه يقول انا فعلت ما بوسعي وعليكم انتم أيتها الأجيال الآتيه ان لا تدعوا وطنكم مشاعاَ للأغراب يعيثون به فسادا .. الوطن ليستمر يجب ان نرويه بالدم فهو يستحق ان تعانق الدماء تراب الوطن دفاعا .. والعنوان تركه للأجيال القادمة لأنه ابتدأ قصيده بالسؤال وهو يتتظر ان يعنون الجيل القادم ويترجم المحبه والشوق للوطن بالحفاظ عليه .. سلمت يداك ودام عطر مدادك وودادك منثورا في الآفاق .
*******
ازدهار ناصر سوري
 ======//===
 وكان التواصل تام اتضح من رد كاتب النص جابر عيده حيث قال: بكلّ تواضع أُثمّن وأنحني أمام هذه الدراسه الأدبيه المستفيضه وما تماوجت به من نقدً أدبيّ وثناء يدفع للغوص أكثر في أعماق النص وسبر أغواره تماماً كما أبدعت الأستاذه الناقده والحصيفه Ezdehar Naser بدراستها له مع يقيني بأنها كانت الأبهى حروفاًبدراستها هذه وقد ذكرتّني الأستاذه ازدهار بباكورة دراستي الإعداديه عند كتابتي موضوعات الإنشاء والتعبير و كان يدوّن المدرّس حينها ملحوظة ( جميييل انتبه أكثر ) ، لكن ما أبدعت به الأستاذه ازدهار ناصر من تحليل أدبي وبكل جهد مشكور مع الاعجاب بالنص والإشاره إلى ترك السؤال الذي ابتدأت به النص ليكون الدعوه ل صون تراب الوطن الأغلى والأعزّ الذي يستحق مناّ وأجيالنا القادمه الكثير ودفعي لشكرها أكثر وأكثر لإحاطتي ب سنا ( المنارات ) الذي يشعّ بنجومٍ متألقه بالقيمة والقامه الأدبيه والثقافيه وفي المقدمة منها الأستاذه Ezdehar Naser والأستاذه القديره ازدهار نمر رسلان التي أشارت مشكورةً لهذا التحليل الأدبي المستفيض والهامّ ... شكري وتقديري واحترامي .


الثلاثاء، 23 أكتوبر 2018

قراءة في مقاربة نقدية للاستاذ حسن بنموسى حول الشاعرة فتيحة المير.

سعيد فرحاوي‎ 
***********
نقد النقد : قراءة في مقاربة نقدية للاستاذ حسن بنموسى حول الشاعرة فتيحة المير.
...
قراءة الاستاذ حسن بنموسى لشعرية الشاعرة فتيحة المير اثارت انتباهي ، خصوصا في النظر اليها من عدة زوايا، لعل الركن الاعمق الذي منه اشد نقطة الانطلاق هي خلاصات الناقد ذ حسن بنموسى، التي جاء فيها ان نصوص فتيحة المير تؤسس لرؤية ابداعية بمعاني تراوحت بين الفلسفي / الموضوعي وبين الواقعي / الاجتماعي ، وبين المتعدد / المتشاكل.. هي رؤية احالتني على معطى اخر عميق في كتابة المير، يكمن في قوة تواجدها كشخصية ترى المحيطات المرافقة لها بالصيغة الضيقة الوحيدة التي تشكل مركز العالم، وكأن الشاعرة تفرض تواجدها لتحدد مؤشرات بناء نظام العوالم بكل حيثياتها البسيطة والمعقدة، السهلة والصعبة، السطحية والمعمقة، على اساس ان التمثلات هي منطلقات تتوزع بعين واحدة ووحيدة، عين شاعرة تفرض تواجدها المطلق بالصيغة الوجودية التي تمثل فلسفة امراة لها ماتريد، وتلتقط المواضيع برؤية فلسفية تحدد طبيعة علاقاتها بتفسها كذات مؤهلة ان تغير المجريات كلما شاء قدرها الفريد، هنا اقف عندها في قصائد الغزل لانها تشكل كتابة بعمق مصدره وجداني يسيل عرقا معريا عن شطحات شاعرة توزع الحياة بتقسيط محسوب، قلت الغزل لانه موضوع فيه مايكفي ان تكون المير سيدة الاشياء، وبه ترتجل الافكار بصيرورة محكمة وواعية، فيه يغيب الرجل عندما تحضر المير/ المرأة المتجبرة الحنونة ، او الانسان الذي يحب بارادات تدرك فيها كل صغيرة وكبيرة بصور تتعالى فيها المرأة بحضور تام ، ويحضر الانسان في الرجل عندما تشاء فتيحة الشاعرة ان تتشتت على صدر حبيب من صناعتها، وهو جواب بسيط عن جبروت نزار قباني الذي جعل من المراة كل شيء ، خاصة عندما جعل منها عبدا في قفص حبه، تأتي المير لتكسر القيد وتحيي الرجل ليصبح اسير حبها عندما تتحرك مشاعرها كمجنونة في طيشها المتحرر ، فتسقط في جبن رجل ابله تروده كلما شاء قدر الشاعرة ان يتحول لغزا وسرا في انفلاتاتها المتراكمة والمتعددة شعرا ، كلها عوالم من فراغ ترسمها لغتها متعة للوجود، و بها تتمظهر المتاهات بتجل جد محكم ، فتتحول الشاعرة نجوما ليقع المطنق الذكوري في فلك جبروت امرأة توزع الادوار بطريقتها، تحدد الحدود وترسم المجاري الهادئة ، تضبط النزاعات الدفينة فيها فتصبح هي وحدها المطلق في نسبية كائن دخل قفصها ليتحرر من جنونها ، يصبح الصلب فيها معطى حتميا محكما قدره عنوان وجود سمته(لعندو عندو)، هي وحدها من تتحدى، في كل الغيابات تحضر لتنفي ذاتها ،بعدها يغيب غيرها فيها ، فتنبني الصور الحياتية كلها في تجليات غياب الحضور ، فتتيه لتحضر اولا، بعدها تتوقف الجغرافيا وتتحرك المجرات في سيولة ضياع لا تعرف عنه شيئا سوى تمطيط هندسة صناعة السراب في متاهة الوهم وحلم المنفى في الذات الهاربة.
كلها مؤشرات صغيرة التقطتها من مرافقتي العابرة لعمق تحليلي للاخ العزيز حسن بنموسى ، الرجل الذي وزع انفلاتات كتابة امرأة بقراء واعية ومحكمة ، حضرت فيها الشاعرة لتكتب اسمها بوقع الشعر ، و غابت المراة عندما جعل منها اساس العالم.
هي كلها تجليات وجود كوعي يستحضر مايريد و يغيب مايشاء ، في العمق يمثل تصورا لتشاكلات مختلفة ، تمفصل الحياوات بالصيغة التي يشاء الشعراء ان تفهم وتأؤل العالم في الكتابة الشعرية الحارقة والهادئة في نفس الوقت: هي في الظاهر ابتسامة وفي الخفي تشكل رفضا لكل ما لا يسعف تواجدها كانسان ، ثم كشاعرة تعيد ترتيب الحياة المبعثرة فيها.

الأحد، 21 أكتوبر 2018

قراءة مختصرة في قصة لامرئي للاديب الشاعر محمد الطايع

Mustafa Albadawi 
********
قراءة مختصرة في قصة لامرئي للاديب الشاعر محمد الطايع.
كثير ما سمعنا عن خرافات وقصص تشير الى وجود الاشباح والجن. الاطياف.
طبعاً الجن أمرهم ثابت في القرآن الكريم، ولا أجادل فيه أو أشكك حوله، لكني أتحدث عن دخول الجني في الأنسي وسيطرته عليه، جميع الأحاديث التي تتحدث عن تلبس الجن بالإنس إما موضوعة أو ضعيفة وأفضلها اختلف العلماء في صحته!
كل ما ورد من هراء وخيال عن تاثير الجن وركوبهم للبشر انما كانت من افلام الرعب وقصص الموتى التى انتشرت في الغرب في العصور الوسطى وفي عصر الفاطميين .
فلا يوجد تاثير فعلي من الجن على البشر اذ يختلف طبيعة خلق الجن مع طبيعة خلق البشر. فهو من نار ونحن من طين. ولا تركب النار مع الطين وتتعايش معه.
وما يتخيله الانسان هو من واقع هواجس في عقله الباطن ليس الا. فان زادت هذه الهواجس اصبح مريضا نفسيا.
ولا اتصال للجن بعالم البشر نهائيا وانما الغواية هي تصوير عقلي للانس من بعيد وليس اتصال مباشر. فلا اصوات ولا طرطقات ابواب ولا صفير او خزعبلات. وانما تهيئات البشر من العقل الباطن. ولهذا نزلت سورة الجن وسورة الفلق كحرز من الشيطان ان يخيل لنا الموبقات. وبسورة الجن يستنكر ابليس اللعين تاثيرة على البشر ويقول اني بريء منك اني اخاف الله رب العالمين. وكثير من السور تاكد انه قد سولت له نفسه.واغواه الشيطان .
الإغواء يكون عن بعد ولا يعني الملامسة او اللمس.
تاريخياً، فإن الأشباح فكرة قديمة جداً قد تبناها بعض الناس كونها مريحة لهم، فبعض الأشخاص يرفضون تصديق أن أحباءهم المتوفين قد غادروهم، فيؤمنون بوجود أطياف لأجساد المتوفين تقوم براعيتهم وتقف بجانبهم في السراء والضراء، يبوح لهم هؤلاء الناس بمشاكل حياتهم بالتحدث إليهم كما اعتادوا قبل رحيلهم، لهذا يصعب عليهم التخلص عن فكرة وجود الأشباح وأرواح الموتى.
ثمة فرضية أخرى يدرجها المحققون في الأشباح هي أن الشبح هو شكل من أشكال الإسقاط النفسي على العقل البشري، الفرضيات التي يقدمها المحققون في الأشباح هي فرضيات لا يدعمها علم الفيزياء ولا علم النفس والأعصاب ولا أي علم بشكل عام!
وتعتبر هذه الفرضيات وما يقدمه هؤلاء المحققون من ضمن ”العلم الزائف“، حيث أن من يفترض وجود هذه الطاقة يرفق دائماً فرضياته بادعاء استحالة قياسها بالطرق العلمية التجريبية، وهذا ما يجعلها تندرج تحت تنصيف العلوم الزائفة ، أحد أسباب إدراج بعض العلوم والفرضيات ضمن العلم الزائف هو عدم القابلية للقياس وعدم القابلية للدحض.
اما عن اشباح الفيسبوك فهي الأشباح التي سمح لها مسيو مبارك الدخول الى عالمنا الافتراضي.
قصة جميلة جدا لتحليل النفسية وما يساورها من هواجس وتهيآت وخيال . فان دخلنا في عالم الماورائيات فهو من علم الوجودية. ولا يمكن للعقل البشري المحدود ان يعرف عنها شيئا الا ما أخبرنا الله عز وجل في كتابه الحكيم.
نص جريء وحرف شفيف يغوص في المحكي واللامعقول ويفسر بعض الغشاوة الهلامية التي تسيطر على العقول.
بقلم مصطفى البدوي
النص :-
لامرئي ..
قصة قصيرة ..
من عادته أن يكون ساكنا هذا الليل الذي يجثم فوق رؤوس مصابيح الميناء مثل خيمة كبيرة ، هذا السكون الذي ألفته حولني مع التكرار إلى مايشبه آلة من غير مشاعر ، حتى لم يعد لدي ما أحكيه عن ليلاتي الباردة الخالية من أي توهم ، بينما لايجود علي الواقع إلا ببعض زيارات خفيفة من الزملاء الذين يبحثون عن الأنس أحيانا ، وقلما يجدونه ..
لا أعد الساعات ولا السجائر التي أشعلها من غير نكهة تذكر ، أترك نفسي للصمت ، بعدما أنتزع منه أجراس الإنتظار ، وأواصل رحلة الموت البطيء ، لا أعرف متى سيقبض الله روحي ، لكنني توسلته مرارا وتكرارا أن يسحبها من جوفي وأنا نائم .. من الرائع جدا لو أموت وأنا أحلم بوجه والدتي ، أو بصفحات كتاب لم أتمكن يوما من قراءته ، إذا قدر الله وكنت من المنعمين هناك ، لا أدري هل يحق لي قراءة ما فاتني من كتب الحياة ، أعلم أن البؤس الذي يسكنها لايتلائم مع مشاعر أهل الجنة ، ولكنني حرمت في الدنيا من كثير ، هناك أوساخ جرائم وموبقات جمة جميلة وشهية لم أجربها بعد ، أحيانا أقارن بيني وبين القتلة ، فأجد لعبة القتل مسلية لكني لا أستطيع إطلاقا أن أعثر ولو افتراضا على ضحايا مناسبين ، مع أن العالم مليء بالأشرار الذين يستحقون التصفية ، المشكلة أنني أحب الجميع وأتمنى أن يعيشوا بسلام ، وأرى النار مصيرا ضروريا لكل الذين استبدلوا الحب بالمصالح الرخيصة ..
مرة أخرى يرغمني ( سام ) على الخروج من قوقعتي ، كي أمسح المكان الخالي تماما بنظرة استكشاف ، متساءلا ما الذي يدعو هذا الجرو الأبله للنباح هكذا وبشدة ؟! من ذا الذي يزعجه فيتقافز في مكانه حتى توشك السلسلة التي تشده للسياج أن تخنقه ؟! ثم يومىء بعينيه الأليفتين نحو المخزن خلفي ، أشعر أنه يريد أن يخبرني الكثير عن خوفه وانزعاجه من وجود دخيل لامرئي ..
أخرج السكين من جيبي وأفتح باب المخزن الكبير ، وأوجه نور الكشاف على محتوياته ، فلا أرى سوى الفئران تهرب من الضوء ، يزداد نباح الكلب حدة ، فلا شك أن ذعره هذا لم يأت من لاشيء ، أتوغل داخل المخزن ، محاذرا أن تعلق قدمي أو حواشي معطفي في الأسلاك والقضبان الحديدية والمسامير الكبيرة الناتئة على أضلاع الألواح الخشبية ، ثم تدغدغني تلك اللعنة الأزلية مرة أخرى ، أليس من الغريب أن تتحرك بداخلي الرغبة الجنسية كلما تواجدت في هذا المكان ؟! فهو لايصلح حتى للنوم ، ثمة غبار يسبح في فضاءه ، وحشرات وعناكب ضخمة تعتاش على الصدأ ، ذات مرة انهزمت أمامها ، فلم أجد بدا من تشغيل الهاتف والدخول على غوغل ، ثم استمنيت على صور الممثلة (سوني ليون ) وهي عارية في إحدى غرف النوم ، فعلت ذلك وقوفا ، ولا أتمنى إطلاقا أن أضاجع أنثى حقيقة هنا ليقيني أن النساء لايتواجدن في مثل هذا المكان ، حين بلغت نشوتي ، فكرت في هذه العلاقة الإنسانية الغريبة التي تجمع بين أبناء البشر ، وكيف أنه بالإمكان أن تثيرك صورة إمرأة تعرف أنها ماتت في حادثة سير قبل عشرين عاما ، وأنها الآن تحديدا وأنت تتوهم أنك تقبل قفاها الجميل والناعم ، ليست سوى جثة متعفنة داخل قبر لم يعد يحضى حتى بالزهور ..
فجأة سمعت خبطا خفيفا من خلفي على باب المخزن ، فتوقعت أنه المراقب جاء كعادته ليتجسس علي ، عدت إلى المدخل بحذر وكانت المفاجأة أنه لا أحد هناك ، نعم لا أعاني خصاصا في النوم ، ولا أظن بأني توهمت الطرق على الباب الخشبي ..
ومع أن الأمر أصبح معتادا ، إلا أنه لامهرب من الشعور بالقلق مع القليل من الرهبة ، ولست أدري لماذا نخاف من أي كائن لامرئي ..
تذكرت قصص الجن ، وأشباح الفايسبوك الذين يرغبون في تواصل من غير اسم ولا صورة ، تذكرت أخبار المخلوقات الفضائية الغامضة ، فاستبعدت أن ينتمي زائري هذا لأي من هؤلاء ، العالم مليء بالأمراض النفسية ، حتى أنه يخيل إلي أحيانا أنه ليس هناك مخلوق واحد في هذا الكون ، لايخفي عكس ما يبدي ، وأن الفارق الوحيد بين الفضيلة والدناءة هو الخضوع الإجباري لقوانين التعايش بين الموجودات ، كل الحراس الذين قضوا هنا ليلات من لياليهم ، اشتكوا من خبث هذا المكان المجاور للبحر ، حتى أن بعضهم رفضوا أية مداومة أخرى بدعوى أن المكان مسكون ، وهكذا قر قرار الإدارة أنني الشخص الوحيد المناسب لهذه الرقعة الملعونة من الميناء ، فلقد تناقل الزملاء جملة مفادها ، أنني أشبه الأشباح إلى حد بعيد ..
عاد الطرق مرة أخرى لكن بقوة أكثر ، وكنت على يقين أنني لن أرى أي شيء ، فلم أبالي به ولا بالصفير الذي اقترب من الكلب فأمره أن يتكوم على ذاته مثل وسادة قديمة ، وقد تمكن الكائن الغامض من إرغامه على السكوت .. لم أبرح مكاني أشعلت سيجارة ثم استرخيت على دفة خشبية باردة مسنودة على الجدار ، قلت بصوت مسموع أخاطب هذا الغريب ، يلزمك أن تجتهد أكثر ، أساليبك جد كلاسيكية أيها المريض ، عليك أن تمتلك الشجاعة الكافية كي تظهر مباشرة أو تكلمني لكي أعترف بوجودك ، لأنه من الحمق أن أخبر رؤسائي أن زائري كان موجودا وغير موجود ..
هل أنت ذكر ؟ أم أنك أنثى ؟ أم أن أبناء جنسكم لايعبؤون بمثل هذه الفوارق ؟ هل تعشقني ؟ والله أنا وحيد جدا ، ولكم أتمنى لو أمكنني أن أعانقك ولو للحظات ، فلقد مر زمان طويل لم أحضن خلاله سوى خيباتي المتوالية ..
غريب ، عفوا بل جميل ، يبدو أن هذا المجهول يعشق الإنصات ، لأنني كلما تكلمت معه ، أشعر بهدوئه ، فلعله أدمن حديثي هذا لأن الواقعة تكررت مرات عدة ، إن لم يكن يعرف لغتنا فأنا على يقين أنه قد تعلم مني الكثير ، المهم ، فتلعم يا صديقي أو ياصديقتي ، أنك إن كنت شريرا فلن يكون لك هنا أي أثر ، فحتى لو أغضبتك وخنقتني ، سيتفق الجميع أنني انتحرت من شدة يأسي ، ثم لايجد رجال السلطة من يأتي لتسلم جثتي الزرقاء .. أما إن كنت طيبا فإنك لن تزداد باقترابك مني إلا حيرة وارتباكا ، لأني أحببت قبلك كثيرين ولم أنفعهم بأي شيء ..
بعد لحظات من الصمت ، رفع الكلب رأسه فكأن الغامض أطلق سراحه ، ثم ندت عنه أنة حزينة تشبه البكاء ، دقائق قليلة ثم لم أعد أشعر بأني أستلم أية إشارات من أي نوع ..
حين وقفت أمام البحر الغارق في ظلماته ، انتابني شعور خيبة قاس جدا لم أعرف كيف أتخلص منه ، غلبتني دموعي وشكوت أمري إلى الله ، فكرت أن الله وحده قد اطلع وشاهد كل شيء ، آلمني انسحاب زائري دون أن يلمس كفي أو يتحفني ولو بكلمة واحدة ، أإلى هذا الحد بت بغيضا لايحب التواصل معي حتى الغامضون .. ؟!
بخلاصة شديدة : ليس لدي ما أحكيه عن هذا الواقع المتحجر ، من أراد أخبار السياسة والجريمة والعنف والخداع فليفتح أي جهاز لعين وليستمتع بمآسي الدنيا الفانية ، أما هنا .. فلا شيء يهم ، مجرد أشباح غريبة تمر بمحاذاتي ثم ترحل في صمت مقيت ..
محمد الطايع

قراءة في قصة خميرة بقرشين للاديبة الفلسطينية الأستاذة اسمهان الخلايلة.

Mustafa Albadawi
********
قراءة في قصة خميرة بقرشين للاديبة الفلسطينية الأستاذة اسمهان الخلايلة.
قصة من التراث الفلسطيني ممزوجة بطعم الدم..شهداء يسقطون كل يوم. والامة العربية في سبات عميق.
تبدا الاديبة بالسرد على طريقة الحكي . فكل كلمة من القصة مختارة بعناية .
تقول الكاتبة في مستهل قصتها تضم اصابعها على نقود، فضم الاصابع على الشيء للحفاظ علية من السقوط والضياع. وقولها نقود بدون ال التعريف للتقليل من المبلغ .حيث في ذلك العهد كانت النقود شحيحة ولا يمتلك اهل القرى الكثير منها. فلا تستطيع ان تجمع في ذاك الوقت من عدة قرى مبلغا صغيرا من المال . حكم الاتراك والانجليز وبعدها الاحتلال الصهيوني البغيض . كان القرش يساوي عشرة فلسات والشلن خمسون فلسا. اي خمسة قروش..والدينار مئة قرش. كانت الرواتب هزيلة ورغم ذلك كانت الناس بخير اكثر من ايامنا هذه. لديهم القناعة وياكلون مما يزرعون ويلبسون مما يخيطون. حياة البراءة
استعملت الكاتبة مفردات خاصة من اللهجة الشرقية الدارجة مثل الشلن واللوكس . أما «اللوكس» القديم فهو جسم مستطيل ويتضمن شاشة زجاجية مستديرة حول كيس من الكتان على شكل عنقود يتدلى من الاعلى، يربط على راس فيه فالة تبخ الجاز المشتعل فيه لينير ويعطى اضاء جميلة يتخللها رائحة ثاني أكسيد الكربون ، يتم ضغط الكاز بواسطة أداة ضاغطة موجودة على خزان الوقود في الاسفل .ولهذا تحتاج الغرفة التهوية بين الفينة والأخرى. وهو يشعل بواسطة «السبيرتو» الازرق ويدار على الجاز ( الكاز). وقد اصبح هذا الاسلوب من الانارة نادراً في هذه الايام «لأن الجاز اصبح اندر من اية محروقات اخرى، ناهيك عن صعوبة وجوده في حالة منع التجول ، واذا كان «اللوكس» بات نادر الوجود، فان القنديل او( اللامضة) ما زال قيد الحفظ عند الكثيرين من الشرقيين الذين يعودون اليه عند إنقطاع الطاقة الكهربائية لأنه غير مكلف، ويمكن الانتقال به من مكان الى آخر، ولكن تبقى مشكلته في صعوبة الحصول على الجاز مع انه لا يحتاج سوى الى كمية قليلة من هذه المادة.
ذكرتني باللوكس والشمبر. كان ابي يملأه بالكاز ويحذرنا من لمس الشمبر. لانة يحاك من خيوط الكتان و يتحول بعد الحرق الى كيس يشبهة لمبة الضوء تعطي ضوءا ودفء للمنزل. علمني والدي كيف اغير الشمبر بواحد جديد بعد تنظيف الراس وعقد الخيط الذي يأتي معة كدة السروال . ومن بعد اضع عليه قليلا من السبيرتو( الكحول الازرق )
كانت امي ايضا تعجن في الليل ونأتي لها بقرص الخميرة من الدكان وكان الثمن ايضا قرشين . واشتري بتعريفة ( خمس فلسات )أيضا قضامة او حامض وحلو.
ايام برغم مرارة الوضع جميلة جدا. لمة العائلة وفطور الصباح باقراص الزعتر السخنة مع إبريق الشاي الاحمر. كان والدي ينصت لراديو صوت العرب حيث كان المذيع احمد سعيد يصيح تجوَّع يا سمك. كبرنا وعرفنا ان البحر لا سمك فيه ولكن حيتان المفسدين اكلتنا لحم ورمتنا عظم. وما زلنا نقدم الشهيد تلو الاخر.
ذكرت الكاتبة التمييز العنصري للعدو سواء الانجليزي او الصهيوني ربيبهم وحيث معاملة الفلسطيني باحتقار واعتبار ان ثمن تعويض قتل فلسطيني قرش واحد اي اقل من ثمن قرص الخميرة. ولا تزال الاحكام العسكرية تطبق على الفلسطينيين في حالة مقاومتهم للاحتلال او سلب الأراضي. وكيف يقتل الفلسطيني بدم بارد وعلى مرآى العالم المتحضر دون ان يستجيب لهم او يغيثهم احد .
ناهيك عن التلميح بقفلة مؤلمة ان الثمن يساوى ملعقة شاي صغيرة مملوءة بحبيبات الخميرة .
محبات لا تنتهي اختي الرائعة الأستاذة المبدعة اسمهان الخلايلة.
نص من روائع القصص الفلسطينية. جميل السرد يحتوي على عنصر التشويق وجر القارىء الى الهدف الرئيس من القصة. تمتاز الاديبة اسمهان الخلالية باسلوب مميز في القص .فغالبية قصصها رغم سهولة الكلمات عظيمة المعنى والهدف.
قصة خميرة بقرشين توثق مجزرة كفر قاسم حين عاد العمال من الحقول مساء وانتظرهم الجنود فقتلوا 49 رجل وامراة وبنات
كان ذلك عند المغيب في مثل هذاةالشهر 1949
وقد حكم الحاكم اليهودي على القتلة غرامة مبلغهاقرش
وقائد الكتيبة هو شدمي فسميت الغرامة على اسمه قرش شدمي.
بقلم مصطفى البدوي.
النص:
خميرة بقرشين
تضم أصابعها على نقود ،: هاكِ قولي للعم "أبو خالد" أعطني خميرة بقرشين ، المبلغ يجعلني أفهم انها ستعجن ع الليل لأن العجين في النهار يعني أن اشتري خميرة بشلن ، اكثر من قرشين.،حين سمعت العبارة أول مرة لم أفهم ماذا تعني أمي ب ع الليل .
لكنني اُستنتجت التفسير وحدي حين وضعت أمي طحينا وملحا وخميرة في اللجن الواسع ثم أخذت تصب الماء الفاتر ، ممنوع أن يكون ساخنا لئلا يسلق الخميرة ويزيل مفعولها في تخمير العجين ، ثم تخلط والعرق يتصبب من وجهها ،فتمسحه بكم ثوبها الذي شمَّرته حتى أعلى زنديها ، أتدخل أحيانا فأساهم بالفوطة بيدي لكنها تصر على أنه ما مسح عرقك مثل يدك كما لا يمكن أن يحك جلدك سوى ظفرك وهذا لا يعني إعفائي من مهام أخرى مثل رشق الماء المتبقي في الاناء بعد العجين بعد ان تحذرني من سكبه في حوض المطبخ المستعمل للجلي، لأنها مياه عجين وحرام أن تختلط في حفرة المياه الدنسة الواردة من الحمامات .
تعجن أمي في ساعات منتصف الليل بكمية خميرة قليلة حتى لا يختمر العجين سريعا وتذهب لتنام حتى أذان الفجر فتصلي وتباشر تكوير قطع العجين ، فيما يبدا نداءها التدريجي : يما حبيبتي ، إنهضي ، وأكون ساهرة لأنها تعجن مساء الخميس أي عطلة في اليوم التالي، لكنها كانت تكسر الروتين وتوقيت يوم الجمعة اذا ما نفذ الخبز سريعا وعليها تأمينه للزواويد، ( جمع زوادة) ، ينتابني القلق من حكم الاستيقاظ في الصباح الباكر لأنني سأُحرم من التمدد لساعة إضافية .
.صباح ليلة العجين ع الليل عليَّ الإستعداد كما في معسكر أو حالة طوارئ، حيث يتعالى صوت اصطدام المرقاق بطبلية العجين أثناء رق القطع ،ممّا يخبرني بأن ذهاب أمي لتحمي الموقد.قد اقترب .
على مضض أسارع إلى نثر الماء على وجهي، وأشرع بنقل العجين المرقوق على طبق القش الذي حاكته ستي حظية، ألحَقُ بها إلى الوقادة وهي تنّور تبنيه النساء من الطين المجبول بالقش، تبدا قطع حطب الزيتون بالتوهج فتلفح وجهي الحرارة، اتعاطف مع أمي وانا أناولها الطبق لأعود أدراجي مسرعة أرتب المزيد من قطع العجين ، ولا أكاد أناولها الطبق حتى تناديني :شدي همتك يا بنيتي الوقّادة حامية ، أجلب صحن الزّعتر المخلوط بزيت الزيتون ، أقرفص إلى جانبها وأناولها العجين المدهون بالزعتر ، ..وفي حوالي الساعة تكون عشرات الأرغفة المقمرة على الوجهين تفحفح رائحتها الشهية تصطف على الطبقين .
ريثما تبرد نجلس انا وإخوتي وأمي لتناول الشاي والزيتون والزعتر ..افطار قبل الثامنة صباحا .
في ذلك اليوم لم تعجن أمي رغم أنني أحضرت لها الخميرة كما طلبت مني مع حلول المساء ،خرجت أمي على عجل تلف إيشاربها وتعقده عند ذقنها فيما تحشو قدميها في الزنوبة البلاستيكية وتهرول دامعة العينين ..
ما الذي حدث يا أمي ؟
: لا تلحقي بي عودي إلى البيت وانتبهي لإخوتك ،ضعي لهم العشاء وأقفلي الباب ،
لا تشعلي اللوكس ولا تضيئي القنديل لانهم أعلنوا منع التجول .
أتظاهر بالرضوخ لطلب أمي وأقفل الباب لبرهة انظر الى بسطار ابي المتسخ وقد رماه وهو يعدو راكضا يسارع إلى حيث تبعته دون ان يشعر بي ، إلى بيت أحد سكان القرية حيث بقي وأمي حتى الصباح هناك ، العويل والبكاء يشقان الجو إلى أجزاء ...صراخ يمزق نياط القلب ، نسوة يمرغن وجوههن ويعفرنها بالتراب .. صبايا يلوِّحن بملابس رجال أو شبان وشابات ويتمايلن في رقص مريع مخيف ،تنفجر إحداهن : يا حسرتنا على شبابنا ، شهداء لقمة العيش ، شهداء الوطن .
عدت أدراجي ..انفجرتُ بالبكاء دون ان استوعب ما رأيت في دقائق اختلستها من وراء ظهر أمي .
يقولون أن اكثر من أربعين عاملا وعاملة تم رشقهم بالرصاص على أيدي جنود الإحتلال ..
مساكين عائدون من عملهم في الحقول وقد قضوا نهارهم تحت الشمس وسياط صاحب الأرض ، المستوطن الذي تمَلّكَها( استولى عليها) غصبا عنهم .
استغرقت سنوات لأفهم تلك القصة الرهيبة ، واتضحت لي القصة الأشد إيلاما وقهرا : أن الحاكم الظالم حكم على القتلة بقرش واحد، غرامة على ما اقترفوه من جرائم وقتل أبرياء ...
قرش ..تعويض ..
القرش يشتري كمية خميرة !
اتعرفون كم؟
ما يملا ملعقة صغيرة كالتي نضع بها السكر في الشاي !
روح شاب عربية قتلوه بدم بارد تساوي ما يملأ مقدار ملعقة الشاي خميرة .،انه قرش شدمي (قائدالجنود)...
ومن يومها ورغم الغلاء والتضخم ما زال دمنا أرخص ما في الدنيا من (سلع ) ..
أسمهان خلايلة الجليل الفلسطيني
أيلول 2018

السبت، 20 أكتوبر 2018

ديوان لامة الحروف لعبدو سلطان كاسمي

سعيد فرحاوي‎ 
************
سبعة كتب في سبعة ايام.
*******************
ضمن سلسلة جولة في رحلة خاصة ، اختار لها مجموعة من الاصدقاء اسم سبعة كتب في سبعة ايام ، اخترت في يومي السايع ديوان لامة الحروف للشاعر عبدو سلطان كاسمي لأبحر معه في جولة خاصة بطقوس مغايرة، لعلني استطيع معه فهم متاهات وطن من حروف في مدن جميلة من ورق في عالم اختار لغة العامة ليخاطب الانتلجانسيا.
سافرت معه بلباس عنوانه:
ديوان لامة الحروف لعبدو سلطان كاسمي وشعرية اللعب في متاهة التشظي بتأخير فرح معطوب.
هو الامل الغائب والفرح المعطوب، بل هي الحقيقة التائهة في ديوان يؤسس لنفسه متاهة الذكريات السائبة، والبحث عن الامل المنسي، تلك هي اسمى ما يمكن ان نخلص به ونحن نبحث عن المعنى في كتابة بلا معنى، او تلك مؤشرات ذات تبوح بكل ماتخفيه من تطلعات مؤجلة بغية الوصول الى لذة العطب، ربما هي دوامات ترافق رجل يتغنى بفرح غير حقيقي، ليموهنا بسعادة مزيفة. هو شاعر يبحث عن حبيبة حاضرة في الورق، رسمها بالصيغة التي تستجيب لاحلامه الغائبة، فينتهي بحصرة لامثيل لها، بعمق اساسه فوضى واضطراب، فيبقى الامل معلقا بسؤال يخفي اجراحه الخفية، فيصيح في اخر قصيدة معلنا عن فشله التام بتاجيل رغبات لم تعد مسعفة في قصيدة سماها يافرحة (جيتي اموخرة)، طبعا في نظره انتهى كل شيء، :
جيتي.... اموخرة يافرحة
جيتي... اموخرة بزاف ص 82.
يحدد.طول تأخرها وعرض ضياعها ، كما يظهر شكل ابتسامتها وهي تثير دهشته التي انتهت باعلانه عصيانا نهائيا برفض واضح لمساع لم تعد قابلة ان تضيف شيئا لحياته التعسة، فقط ، لانه:
حتى مابقى مايتشاف ....82
وان جرحه تعدى الحدود، و(الكرحة،) كما قال، انغرست في اعماق سال وجعها، مست الجسد كله والروح في جوفها، فاصبح الشاعر يعيش حيرة لاحد لها، فنخلص الى حقائق متناقضة وفي تناقضها تتوالد المعاني وتتطور الحكايات في ديوان يحتوي وحدة الاضداد ويقوي صراعها، نجد.طريق الضحكة تعلن عن بداية حلم في ديوان الامل، ومنجم الكية هي خلاصة عصارة نكبات ومكائد لانهائية بدرجات متفاوتة، هزت الروح ومست الكيان العميق في جوف شاعر يتألم في صمت رهيب، تحكي قصة شاعر في علاقته بنفسه، بمجتمع، بقيم، باخلاق، بحبيبة، ، كلها عناصر عمرت كيانه ، مست عمقه، دمرت احلامه، باوجاع طال صداها في نفس مدمرة، عبر عنها باوصاف متنوعة، ليتحول الى البحث عن تلاحم بتعال خاص، يسمو بصاحبنا الى درجات مختلفة من الارتباطات السامية، وصل به الحال الى هديان مقلق ومثير، فتحول الى طلب غريب عمقه ترجي غريب(نترجاك اتكونيني)، ليعاهد نفسه ان يكون العشيق المخلص، المحب المتفاني في حبه، كما عاهد الحرف بوفاء خاص، ليتحول الى نقش في بحور التمظهرات السامية والمتعالية، فاصبح الظلام سلطانا ، فتغيرت كل المحيطات لتصبح غير مسعفة لحياة مطمئنة في وجود من سراب، لان الحكرة طال امدها، والظلم انغرس في علاقات مشبوهة، فتحولت القيم ليعم الكره والخيانة وتسود الكراهية والنميمة والبغض، والنتيجة تأجيل فرح في واقع مزيف، في دنيا(غرارة)، لكن النهاية هي حتمية فراق نهائي واخير، لانها نتيجة كتبتها اقدار موضوعية .وكنتيجة لهذه الوقائع تأجيل فرحه ، مما يحيلنا ديوان عبدو سلطان كاسمي الى كتابة هائجة ، رافضة، نافية، لتنقل فكرة التشظي في تيه واقع غير مجدي، لانه لامجال هنا لبهجة مهزوزة ومهزمة ومنخورة في نفس الوقت، لتتحول الكتابة برمتها الى ظنون بلا هوية ، تخرج ذاتها من وجود القلق ، ليصبح الديوان كله سارحا في فرح العبث والتيه، والبحث عن افق مسدود ، والسعي الى عطش نهائي لحتمية مخنوقة.
ان ديوان لامة الحروف هو كتابة النقد اللاذع لاسرار عدة اعلنها واخفى الكثير منها، كمؤشرات لفرح مغشوش.
نختم قراءتنا لديوان لامة الحروف بخلاصة مهمة ، اساسها ان الديوان هو كتابة شعرية ترفض كل ماهو مغشوش بدأ بفرح مزيف، وانتهاء لعشق مضطرب وماكر، فخرج الشاعر من متاهة مشاعر غير ناضجة ، لاتعكس تطلعاته الغابرة، كما رفض كل القيم الغير ناضجة، على رأسها الحب السائب وقيم متعبة لرسم مسار حياة انسانية معطوبة ، فنخرج برؤيا واضحة مفادها ان الكتابة هنا هي فضح للمكر الطازج، وللخداع القاتل، كما تعري واقع الحكرة وترسم وجه العشق المخنوق.

الجمعة، 19 أكتوبر 2018

قلب شاعر في حاجة قصوى إلى لغة

سعيد فرحاوي‎ 
************
احمد بركات في رحلة ذات منتشية ، متسظية، تائهة ، تبحث لنفسها عن موقع في جنة الاموات.
ع لن أساعد الزلزال
حذر،كأني أحمل في كفي الوردة التي توبخ العالم
الأشياء الأكثر فداحة: 
قلب شاعر في حاجة قصوى إلى لغة
والأسطح القليلة المتبقية من خراب البارحة
حذر، أخطو كأني ذاهب على خط نزاع
وكأن معي رسائل لجنود
وراية جديدة لمعسكر جديد
بينما الثواني التي تأتي من الوراء تقصف العمر
هكذا …
بكثافة الرماد
معدن الحروب الأولى
تصوغ الثواني صحراءها الحقيقية
وأنا حذر، أخطو نحوكم وكأن السحب الأخيرة تحملني
أمطارها الأخيرة
ربما يكون الماء سؤالا حقيقيا
وعليّ أن أجيب بلهجة العطش
ربما حتى أصل إلى القرى المعلقة في شموس طفولتكم
عليّ أن أجتاز هذا الجسر الأخير وأن أتعلم السهر مع أقمار
مقبلة من ليال مقبلة حتى أشيخ
وأنا أجتاز هذا الجسر الأخير
هل أستطيع أن أقول بصراحتي الكاذبة:لست حذرا لأنني
أعرفكم واحدا واحدا ؟؟
لكن،أين أخبئ هذه الأرض الجديدة التي تتكون في عين التلميذ؟
وماذا سيقول المعلم
إذا سأله النهر؟
حذر،ألوح من بعيد
لأعوام بعيدة
وأعرف – بالبداهة - أنني عما قريب سأذهب مع الأشياء
التي تبحث عن أسمائها فوق سماء أجمل ولن أساعد الزلزال !!!
شعراء يمتطون سفنهم بغرابة خاصة، يعبرون نهر الحياة على ايقاعات فريدة، كل العوالم غير مستقرة، هنا تيه وهناك ابتسامة يقبلها القدر، بين المتاهة ودوامة الضياع يفرشون نسيم هوائهم لاستقبال اصوات الفراشاة وهي تغازل العيون بحكمة التجلي خارج الطبيعة، كل المتاهات قابلة ان تهضم في مفراتهم، وكل القيم تتحدد بعيدا عن لحن الطبيعة، بين هذه الضفاف، وفي وطن هذه الرحلة اختار احمد بركات وطنه، في جغرافية الطببعة المستفزة عزل بيته لينام على جناح طير من ورق، عصافيره تغرد نظراته، وكائانات اخرى قربه تعلمه السير على طين الماء الهارب من بحر تيهه، رجل اعلن موقفه بوضوح تام:
أبدا لن اساعد الزلزال...
. في هذه الدوامة يحمل كفه على ابتسامة وردة شارذة، ليتعلم الفداحات ، بل ليوبخ مايعكسه خارج ذاته، في حباة عالم يراه متسظبا، يتسلق صدى الروح وهي توبخ الزمن الهارب في المتفلت،.
احمد بركات شاعر لحظة واحدة ، يتمظهر اولا، ليبزغ منه وجه القمر حاملا ارتجال الارض وهي تعلن نهاياتها، لاتهمه التحديدات، هو خارج نظام طبيعة مهرولة، هو تائه لانه حر في خواء روحه، هو منعزل لانه اختار وحدته صديقا لدوام منتهي. شاعر ببصمات نظرات سائبة يحرك الغائب فيه، يمحور التجليات بتجلي لايعرفه هو نفسه لانه رجل بدون تجلي.
انها الرحلة الصغيرة التي شاءها الشاعر في وطنه الغريب، المنبعث من روحه، المقذوفة رغبات غير مرغوب فيها، فقط لانها من صناعة القدر، والشاعر رجل غير قدري، هو ريح من نور يحكم حضورها في كل الغيابات، فقط لانه شاعر.

الخميس، 11 أكتوبر 2018

قراءة في ديوان " لامةْ لحْرُوفْ " للشاعر عبدو سلطان كاسمي – الجزء الأول

قراءة في ديوان " لامةْ لحْرُوفْ " للشاعر
عبدو سلطان كاسمي – الجزء الأول
صدر هذا الديوان البكر عن مطبعة بوجو برانت بالدارالبيضاء في رمضان 2018
...
تسطير منهجي لابد منه :
إن اشتغالنا على المتون الزجلية من خلال منظورات نقدية لا يقصي من اعتبارنا الاعتماد على الانطباع والقراءات العاشقة والقراءات المنهجية الغارفة تصوراتها من مدارس النقد العالِم ، سواء ما تعلق برصيدنا المتواضع في النقد العربي قديمه و حديثه ، أو ما تعلق باجتهاداتنا في الاستئناس بالتيارات الغربية المتقدمة شأواً بعيدا في هذا المجال ، ندخله لا من باب الانبهار والدهشة المستلبة و إنما من باب الاشتغال الحواري التواصلي مع العقل الغربي في سجالية مجادلة منتفعة بعيدا عن الهضم البليد والاجترار الكسول .
كما أن اشتغالنا على المتون الزجلية بمنظورات عالمة تستأنس بأعلام النقد الغربي لا يمس في الزجل أصالته ولا يعيب فيه خصوصيته ولا ينقص منها ، على اعتبار أن هذه المنظورات الحداثية تعالج كل الأنساق الدّالة ، والزجل نسق دالّ بعلاماته الملفوظة و يستدعي بفعل تراكماته النوعية مقاربته من هذه الزاوية ، التي تخدم صيرورته المتحركة والمتغيرة باستمرار .
النقطة الثالثة في هذا التسطير المنهجي ترتبط بعلاقة النص مع المنهج ، فنحن لا نختار للمتن الزجلي عباءته المناسبة و كأننا نمتلك دولابا من المقاسات النقدية القابلة للتنميط و التطبيق المبتسر ، و إنما ، و أساسا ، نترك للنص حرية اختيار المنظور الذي يناسبه ويقرأه في توجهاته الموضوعية حتى تخرج النتائج انسيابية لا نحس فيها ليّاً لأعناق المتن و لا قسرا و لا إكراها .
...
يفرض ديوان " لامةْ لحْرُوفْ " للشاعر " عبدو سلطان كاسمي " على القارئ هيبة نوعية لا نجد لها تفسيرا إلا عبر الدخول في غضون تشكلاته القوية لفظاً و معنىً ، دلالةَ و أنساقاَ ، حضورا و غيابا ، تصريحا و تلميحا ... حيث تفرض علينا مساحات النص المرفولوجية المتسمة بالطول الزئبقي قراءات دقيقة و متأنية و حذرة ، حتى لا نقوّل المتكلم ما لم يقله أو يريد قوله . ناهيك عن العمق الدلالي القابع بذكاء خلف أسوار الحرف المنيعة ... لهذا اختارتنا متون الديوان أن نقاربها عبر مجموعة من التيمات هي في آخر المطاف أشكال من التأويل القابل للأخذ والرد و التصويب .
1 - تيمة الشك : منظورا إليه لا من زاوية فلسفية ترتبط بتفكير الشاعر في الموجودات ، و إنما من زاوية الحيرة كعلامة سيميائية تمتح مادتها من فكرة الاستهواء بتعبير " غريماس " ، وهي حيرة المبدع في تشكيل هوية الآخر ، المخاطب ، الداخل في علاقة تفاعل غير متوازنة مع الذات ، وهو تفاعل يقضي افتراضا بحدّ أدنى من التعادلية في الفهم وفي الإيصال ، إلأ أن الشاعر اختار موضعة هذا الآخر في ذلكم المخاطب النوعي الذي يمارس على الذات المتكلمة – و من باب الاستهواء أيضا – ضغطا ناعما يستمد قسوته و قوّته معاً من شرط المحبّة التي اقتضت في المتكلّم رصيداً من الوفاء ، في حين استدعت في الآخر تحدّياً زئبقيّاً ، مادته أنثى موصوفة حاذقة في فعل الغواية و في فعل الصدّ .
و القارئ للمتن الشعري الزجلي عند الشاعر " عبدو سلطان كاسمي " تصدمه في إدهاش قدرة البوح على فعل الرسم ، لا بالكلمات وحدها ، و إنما بالفونيمات أيضا ، في تناغم جناسي واضح يحمله الشاعر ما أمكنه الحمل بعيدا عن عمليات الإثارة القريبة و المتكئة على وظيفة التحقق الجمالي ، إلى وظيفة أخرى أكثر تبئيرا و عمقا ، تزوبع دَعَة المتلقي وتخلخل راحته المستهلكة في استرخاء الاستمتاع و الأنس ، إلى إحداث نوع من التشويش المولّد لدينامية النص ... لننظر معاً إلى اختياره هذا المقطع للتعبير عن حيرته تجاه الآخر ، قال الشاعر في قصيدته " طريق الضحكة " ما يلي :
ولّيتْ نشكْ فْ شكّي
و شكّي عادْ
يشكْ فْ شكّو
يومْ شافتكْ
ودْنِي لْعَمْيَة ...
و هو التشويش الجميل الباعث على استكمال دورة القراءة ، سواء تعلق الأمر بقارئ عادي يستمتع بفن الزجل مع هذا العَلَم المتميّز ، أو تعلّق الأمر بقارئ دارس لهذا المتن ... و هو التشويش الحامل لمجموعة من الأسئلة التي لا ترتبط بعتبات الاستفهام الراغبة في المعرفة ، و إنما الأسئلة المعالم ، باعتبارها محطات ضوئية تكشف عن طبيعة هذه الحيرة التي تأخذ من الذات كل مأخذ ، و تحرك فيها الرغبة الاستهوائية في تعرية العلاقة بين الذات و الآخر ... من هنا جاءت ممارسة الشاعر للعبة الجناس في اختياره لصوتي الشين والكاف المتكررين باطّراد في المقطع أعلاه ، و هو المقطع المتجاوز لفعل المعنى المباشر المرتبط بشك الذات في الماحول ، إلى الرغبة في تحجيم هذا الآخر باعتباره مصدر انكواء و مصدر إلهام في آن .
تقدّم لنا النصوص اللاحقة مزيدا من الضوء على فكرة الاستهواء عبر مقولة الحيرة أو الشك ، منها قول الشاعر في قصيدة " نترجّاكْ تْكُونِينِي " ما يلي :
حِينْ تْكلّمتْ مْعَ سْكاتِي
باغِي نعْرَفْ منّو جْوابْ
أو ما يشابه ذلك في قوله من نفس القصيدة :
لْقِيتِينِي حايرْ
ما عْرَفتْشْ إمْتَى
تْخَونتْ منّي رُوحِي
و منه قوله في قصيدة أخرى بعنوان " عَاهَدْ لحْرُوفْ " :
الخطْوَة تالْفَة
فْ كُدْيةْ لكْلامْ
من هنا ، تدرّج الشاعر في رسم معالم هذه الحيرة ، والانتقال بها من دوائر الحواسّ إلى آفاق أكثر سديمية ، بل أكثر تعاليا ، وهو التعالي الفلسفي في غير قصد من المتكلم ، يدفع بالحيرة عبر مقولة الاستهواء إلى أقصى حالات التجلي و هي الدرجة القصوى من التوحد مع الآخر عبر الرضى بنتيجة هذا الشك و هذه الحيرة ، من خلال القناعة بأن الآخر هو الذات عينها في تعبير جمالي يدلّل تدليلا على أن الزجل قوة تعبيرية ضاربة في الجمالية : لم يعرف الشاعر متى سُرقت منه روحه { ما عرفتش إمتى تخونت مني روحي } و هي قمّة التسليم للآخر في غير مقاومة ، وفي لذّة " بارتية " .
عرف الشاعر كيف بتلاعب بعواطف القارئ و هو ينقله من وضعية القلق إلى وضعية الانفجار الأقصى ، ولقد رأيتموه تجليا واضحا في عملية السطو على الروح . إنها وضعية مفارقة و وحدها قادرة على توضيح خصوصية هذا الخطاب الزجلي القائم على خلق مسافات من التوتر الدلالي العامر ...
2 - فوضى الحواس :
يختار الشاعر " عبدو " زاوية نظر شعرية خاصة في علاقته بالمحسوسات ، يبنيها على مقولة " الوثوب الحيوي " والقفز على الأشياء من حيث هي أشياء ، إلى استنطاقها داخل رؤية شعرية وجودية تتعامل معها من باب الإثارة الحيوية أيضا . و هي الإثارة الْمُشركة للمتلقي في استبطان المقول لا في مرفولوجيا الكلام و إنما في حفريات الكلام . من هنا مارس الشاعر عملية البصر بواسطة حاسة السمع ، في قلبٍ وظيفيٍّ للأدوار ... قال من قصيدته " طريق الضّحْكة " :
يومْ شافتكْ
ودْنِي لْعمْيَة
بْ مُومّو لڭـرُوحْ
مضاتْ شُوكْ الرّمشْ
و طاحتْ عيْنِي
عْلى عينْ ڭْـفَاهَا
هكذا ، فالشاعر ليس ناقلا ناسخا صادقا مرآتيا للمألوف الذي تبنيه تمثّلاتنا للقضايا و للأشياء ، بقدر ما هو كائن غريب غرابة استثنائية تمجّ التسجيل و ترحب بالانبثاق ، لهذا اختار اللعب السيميائي على وظائف الحواس ، فالأذن تحلّ محلّ العين ، و الأذن في عُرف الشاعر عمياءُ ، في إطار إسناد لغوي عامر بالانزياح ، لأن العمى مكوّن حسّي لا ينسجم إلا مع مسند إليه من جنسه في تمثلنا البسيط ، لكنه في قنوات الشاعر التخييلية هو إسناد شائك متوثّب و حيوي ، يخترم توقعات المتلقي بصناعته للدهشة النوعية عبر تسطير زجلي محمّل ب " الشعرية " و محمّل بالضوء .
يسير الشاعر في هذا المسار الفوضوي الباني و العامر ب " الشعرية " الزجلية عبر اخترامات أخرى لمألوف الحواس ، في محطات أخرى من قصائد أخرى مخلصا لنسغ الرؤيا التخييلية ، ماضيا فيها إلى أقصى حدود الإبهار ، نذكر من ذلك أمثلة لا حصرية من متون مختلفة داخل الديوان :
1 – العين حمرة جمرة
2 – و عْقَلْ ضحْكِي يفكْ عڭادْها المعڭودْ
3 - ساعةْ شفتكْ يا فاكْيةْ الرّوح
4 - هتهت لڭلب لمضيوم ، طلق ودانو ، رْخا الطانڭة ، يتصنت لدقاتو
5 – بغيتْ نشُوفْ حدّ الشّوفْ
6 – لحرام ف يّامنا زْيانتْ لِيهْ البنّة ، و لحْلال مْرارْ لِيه الذوقْ
7 – شوْفتْنا وجهْنا فْ مْرايةْ لْبَاطلْ شُوفانْ
8 – نْشُوفْ حلْمات ، مرّة عڭاربْ ، مرّة حيّاتْ
9 – تْهتْهِيتْ لْڭانَة
10 - شمّيتْ رِيحةْ لْمَاضِي
من هذا الفيض كثير من الاستهواءات المرتبطة بفوضى الحواس ، يؤرجحها الشاعر بين سمع وبصر وشم وتذوق للماحول من زوايا إغرائية مستفزّة ، بجمالية زجلية نوعية ، قادرة على التشويش الجمالي لبرنامج المتلقي التذوقي والتمثلي والقرائي البعيد ، و نقله من برنامج استهلاكي استمتاعي إلى خطط مشاركة في عمليات الإنتاج لدلالات و أبعاد المتن الشعري الزجلي ، من خلال حزمة من التأويلات البانية لنسقين في آن : نسق الذات المتكلمة وهي تباشر فعل الانزياح في وظائف الحواس من الحالة المتشيئة إلى حالة المعنى ، و منه ، إلى حالة المعرفة ... ونسق المتلقي الباني لمضمرات القول " السلطاني " خارج البداهة الحسية لتتشكل هذه المتون الشعرية الزجلية في آخر المطاف عقدا فريدا تنتظم داخله كثير من الصدف الدلالية المتشعبة و تنسجم .
يبغي الشاعر من محمولاته المقولية إغراءنا بجمالية الخروج عن طبيعة النص النمطي الماثل أمامنا بفعل العقد المشترك الذي تبنيه الثقافة المشتركة بين المبدع والمتلقي ، ولتوضيح ذلك نأخذ مثالا يرتبط بحاسة الشم ، قال الشاعر " شميتْ رِيحةْ لْماضِي " ، و هو تركيب استعاري " ينقل العبارة في مكان غيرها و ملاكها تقريب الشبه ، ومناسبة المستعار له للمستعار منه ، وامتزاج اللفظ بالمعنى ، حتى لا يوجد بينهما منافرة " على حد تعبير " الجرجاني " ... فالشاعر " عبدو " جعل للماضي جسداً ترشح مسامه رائحة ، حتى يستقيم فعل " الشمّ " مع المسند إليه الموسوم بطبيعة التجريد والهيولى ، و نقصد الماضي المؤطر داخل عملية التحييز الزمني ، وحتى يتحقق انسجام الصورة البيانية في أطرافها ، رام الشاعر إلى خلق هذه الفوضى الجميلة في ترتيب الحواس وفي توظيفها خارج المألوف ، من زاوية استبدالية تعتمد عنصر المقارنة والمشابهة بين الماضي والجسد ، بين المستعار له والمستعار منه ... كما يمكن قراءة فوضى الحواس داخل إطار استعاري تفاعلي قائم على خلق عوالم لغوية جديدة داخل اللغة العادية لأنها تبني علاقات جديدة بين الكلمات وهي تذوّب عناصر الواقع في بؤر أكثر توليدا وتناسلا للدلالات .
و من ثمّة فالسياق هو الضامن لتأويل عملية شمّ الماضي عبر استحضار مؤشر الذاكرة المسافرة في استجلاب صور هذا الماضي من خلال توظيف حاسة الشم توظيفا ماكرا ، و لذيذا ، في آن ... و بالتالي لا تقتصر الانزياحات في مقام الحواس على الهدف الجمالي و القصد التشخيصي فحسب ولكنها تتجاوز ذلك إلى القيمة العاطفية والوصفية والمعرفية على اعتبار أننا نحيا بهذه الاستعارات ، و تدخل نسغنا الجمعي أبينا أم شئنا ...
يتميز توظيف الشاعر لشبكة الحواس في ديوانه ، باعتماده على الاستبدال والتفاعل وخلق المسافة بين المفردة و حياتها المعجمية ، لإدراكه ان الشعر رؤيا ، وأن الشاعر كائن رائي ، موسوم بأنفاس النبوّة ، مخترم للمألوف ، وحامل للدهشة في تعابيره ، و مغرم بالتغيير سواء في الحساسية الشعرية أو في المنظورات الابداعية ... ولإدراكه أيضا أنه يمتلك رؤية مختلفة تمام الاختلاف عن الناس ، و لإدراكه أن بصره ينبغي أن يمتد قامات عالية فوق هامات الناس ، لهذا جاءت همسته واضحة أن الرؤية المقيدة لا تصنع شاعرا ، و هي الهمسة التي لخصها " عبدو سلطان كاسمي " في قوله " بْغِيتْ نْشُوفْ حدْ الشّوفْ " ... رغبة دفينة في تجاوز المرئيات والموجودات .
3 - تيمة الكتابَة أو لْكتْبَة في " لامةْ لحْرُوفْ " :
يبدو لقارئ الظاهر في كلام ديوان " لامةْ لحروفْ " أن الشاعر يكرر موضوعة العرب القدامى في شيطان الشعر . قال " عبدو " من قصيدته " طريق الضّحْكة " :
و كلْ ما زفْ
شيطانْ لكْلامْ و تْسَلطْ
يبُوحْ بْ قْصِيدَة
و الأمر هنا لا يتعلق بالنقل الحرفي لطبخة تراثية مستهلكة بقدر ما يرتبطُ ، و أساساً ، بقناعة " سلطانية " أن المبدع هو من لا يمتلك ناصية حرفه ، بل حرفه هو المالك ، و هو المادة الزئبقية التي لا تستأذن و لا تستشير إلا وفق مزاجها الخاص ... و من ثمّة فهي ما يُملي شروط الكتابة و زمن الكتابة و شكل الكتابة أيضا . قال الشاعر من نفس القصيدة :
{ تارة يعف ، تارة يتلف } إشارة إلى شيطان الشعر الذي يتجلى في حالات متعددة ومختلفة ، قد يكون في مستوى اللحظة وقد لا يكون ، وقد يصيب المعنى في مقتل وقد لا يصيب .
ينظر الشاعر ، من جهة ثانية ، إلى الإبداع نظرة شعبية يبنيها التمثل الشعبي الموروث ، حيث القريحة التي ترتبط بالسديم المتعالي و غير القابل للقبض ، يحولها الشاعر في استعارة قوية إلى متعيّن { لقْرِيحَة بنتْ لجْوادْ } تنرسم معالمه في الثقافة الشعبية و يتجسّد في هذه الوحدة اللسنية المحمّلة بكثير من الدلالات { لجْوادْ } المرتبطة بقيمة الكرم ، أو المرتبطة بالقوى الغيبية الماتحة مادتها من الاعتقاد الشعبي في كلمة { لجواد } .
الكتابة في منظور الشاعر " عبدو " مادة نارية ترفض أن تتشيّأ على مستوى الحضور والغياب { حتى لقْرِيحة بنت لجوادْ ، مرّة شاعْلة عْوادْ ، مرّة طافية رْمادْ }... هي ما يتحكم في سيرورة البوح بمزاجها الخاص إلى درجة الغلبة والقهر ، تمارسهما على المبدع في صلف { ويا لطيفْ ، ملّي تْغوبشْ ، و تعْطِي بالظْهَرْ ، يعودْ لْخاطرْ مكْسُورْ } .
تتظمهر تيمة الكتابة أو " لْكتْبَة " في الديوان بشكل ملفت ، يمثّل كثافة نوعية ينبغي الوقوف عند تراكماتها لاستيعاب آليات اشتغال هذا المفهوم الشعري في لاوعي المبدع . نذكر من هذه التجليات على سبيل الحصر ما يلي مع العلم أنالديوان عامر بهذه التيمة في انسجام دلالي مع عتبة العنوان " لامةْ لحْرُوفْ " :
{ نْسڭِّيوْ قصْرِيةْ لكْلامْ – كُلّا يلڭّـمْ لْڭِـيمَة – مْسلّحْ بْ خطْ الزْناتِي – نتْهَجّانِي بْ حْرُوفْ لْمَكْتابْ - مدْ ڭوڭَة فْ لْواحْ لقْدَرْ – تْعالى نْكتْبُو خُطْبَة – نفْتِيوْ لمْحَبة – نقْراوْهَا فْ مَحْرابْ لْعشْقْ – نْفِيدُو بْ خُطْبتْنَا لعْبَادْ – نكتَبْنِي صَفْحاتْ بْ مْدادْ الصْبَرْ – كتْبِينِي كلْماتْ تْكونْ واضْحَة – نكْتبْ سْكاتِي – لكْلامْ دَاوي – رْكبْ رِيحْ لقْوافِي – يا مْدادِي و لْحكْمَة حْلُوفْ – لْوَرْقَة زْرِيبَة و لْحرْفْ شْرِيفْ ... } و مثل هذا فيضٌ ثَرّ في الديوان و حسبنا منه أمثلة للاستئناس قبل التحليل .
ما هو إذن مسار تكوين الكتابة في لاوعي الشاعر " عبدو " و كيف تتفاعل هذه التيمة مع بنيات المتن الشعري الأخرى ؟
بدايةَ يُمثّل الشاعر " عبدو " حساسية شعرية فطرية تشحذها الدّربةُ و التجربة والرؤية الواضحة للذات وللماحول وللعلاقة بينهما ، من ثمّة تنبني مفاهيم الكتابة عنده باعتبارها سيرورة فنية ترفض شرنقات النسخ و الإعادة والتكرار والشبه ... و تصنع لنفسها نسغها الخاص الذي تتشربه كل حين ، و في كل حين تؤتي أكلها بإذن ربّها .
وهذه زاوية حتمية للنظر إلى اشتغال المفهوم ، وهو يسير عبر هذه الخطاطة :
التكوّن ---- الاستعداد ---- البلورة
ويتعلق الأمر بتكون جينات الكتابة أو " لْكتْبَة " في لاوعي المبدع خارج شرط الإرادة وخارج شرط الحضور الذاتي المالك لناصية القول ، حيث الكتابة سلطان مهيمن في صورته التقليدية المرتبطة بشيطان الشعر و في صورته الشخصية المرتبطة بلحظات الانبثاق . و التكون مرحلة تتجلي في حضورين : الأول حضور قدري لا طاقة للمبدع فيه ولا يد ، والثاني حضور إرادي لا يتجاوز عتبة التفاعل مع هذه الهيمنة مع التوق لمعانقتها في تجلياتها الواعية ، وهذه المرحلة غالبا ما يتم التفاعل معها من باب التسليم .
أما العنصر الثاني من الخطاطة ، والمرتبط بالاستعداد ، ففيه تبدأ الذات المبدعة في وعي تجربتها ، واكتشاف منظورات بوحها الخارجة عن شرط الإرادة ، و تتميز مرحلة الاستعداد بتفوق جانب الوعي بالموجودات وكيف تتم عمليات استيعاب اللحظتين ، لحظة الداخل القارع بيت المبدع في غير استئذان ، ثم لحظة الخارج المشرئب إلى دمغ الوجود الشعري بخاتم الإرادة النوعية ، ولما كانت سلطة الداخل الهيولى غالبة ، فإن الذات تكتفي بمعاينة البوح في حذر لذيذ وفي استعداد لمرحلة البلورة .
تأتي أخيرا مرحلة البلورة ، و المتعلقة بصناعة قرار التفاعل الايجابي مع سيرورة الشيطان الملهم أم الإلهام الشيطاني ، و فيه تربح ذات المبدع رهانا جيدا و هي تختار الدخول مع الآخر في تقاسم إيثاري لثمرات الكتابة بما هي كشف شخصي وفتح خاص لا تريد الذات المبدعة أن تحتكره { تْعالى نْكتْبُو خُطْبَة – نفْتِيوْ لمْحَبة - نْسڭِّيوْ قصْرِيةْ لكْلامْ - نقْراوْهَا فْ مَحْرابْ لْعشقْ ... } و هنا تنبلج الدرجة الصفر من الكتابة وهي درجة سابقة في العطاء ولا تحتكر ما تجنيه من جمال في دروب الحرف الطائر في المخيال الفردي وفي المخيال الجمعي ... و كأني بالشاعر يمارس شعرا تعليميا يدعو فيه المتلقي النوعي إلى معانقة قضية الابداع من بابها المتسامح والواعد بالعطاء عبر التفاعل الإنساني المغيب للامتلاك الرخيص لمتون الزجل و للامتلاك الواهم لمقولة التفوق الادبي .
...
بقلم : نورالدين حنيف