الدفقة الثالثة ( المشهد الثالث )
" سَاوِي مِيزَانَكْ يَا زَرْوَالَة
طَلْعِي بِطَلْعَةْ ... الْخَاطَرْ مَهْمُومَة
خَلِّينِي نَسْمَعْ
حْكَايْةْ نْسَا مَحْڭُورَة
مَغْلُوبَة
فِ دْوَايْرْ الزّْمَانْ
حْيَاتْهَا مَنْهُوبَة
فْ إِيدْ قُيَّادْ و شْيُوخْ
مَغْلُوبَة
ڭَالْ الْعَشْقْ
فِ لِيلْتُو الْمَعْلُومَة
شْكُونْ يَغْلَبْنِي
يّْحَيَّدْ لَعْمَامَة مَنْ فُوڭْ رَاسِي
يْخَرَّجْ لْسَانِي مَنْ بِينْ ضْرَاسِي
بْنِيتْ حَيْطْ عْلَ حْوِيدَّة
بْنِيتْ حَيْطْ عْلَ خَرْبُوشَة
سْحَابْ لِيَ طْمَرْتْ عَلّْتِي
وَ انَا خَلِّيتْهَا قْبَرْ فَالتَّارِيخْ
مَنْبُوشَة . "
دائما تستند الشاعرة للنداء . و هنا تستعمل الأداة ( يا ) و هي تدل على القريب و المتوسط و البعيد ، لكن هنا تحصرها الشاعرة في المتوسط.
نداء زروالة و هي كناية عن خربوشة / الرمز . تطلب منها أن تسوي الميزان ، نقلة أخرى في السلم الموسيقي ، و هي مرحلة أعلى في ( الْعَيْطَة ) ... يرتفع الإيقاع و معه الصوت الصادح ...( طَلْعِي بْطَلْعَة ) . تمثّل أيها المتلقي هذه اللحظة . يرتفع صدح المنشدة ب : (طَلْعَة مَهْمُومَة ) تحمل معها كل ما يعتمل بالذات من هم ..، من أسى ...من انكسارات ... من إحباطات متوالية ... من إحساس مؤلم ليس فقط بالظلم ، بل بالضيْم ....
لتقدم الشاعرة مشهدا و كأني به الأطول في القصيدة و في هذا العمل الدرامي . عنوانه الكبير : حكاية خربوشة ، حكاية المرأة في وطن ، لا يفتأ يحاصرها المنطق الذكوري المتسلط. تتغير الأقنعة ، لكن الأصل يظل واحدا .
( خَلِّنِي نَسْمَعْ / حْكَايْةْ نْسَا مَحْڭُورَة / مَغْلُوبَة ) هذا هو واقع المرأة . قضية القضايا .
صحيح تشير الشاعرة إلى ( قُيَادْ و شْيُوخْ ) لكن ليس ذاك سوى قمة جبل الثلج العائم . أما قاعدته فتمتد في العقلية الذكورية . تشفي قهرها و ضعفها و حتى عجزها في العمل على كسر شوكة المرأة . إنها حكاية شهريار . شهرزاد هنا لا تروضه بحكاياها ، بل تتحداه بأسلحة أخرى . بالرفض ، بالعناد ، بالصرخة تدوي . فيمعن شهريار / الذكر في جنون التسلط ( بْنِيتْ حَيْطْ عْلَ حْوِيدَّة / بْنِيتْ حَيْطْ عْلَ خَرْبُوشَة )
الاسمان لشخصية واحدة ، لكنها الامتداد لنساء أخريات .
لتنتقل الشاعرة بتقنية سلسة و جميلة ، تصور فيها إعلان الهزيمة الجارحة من طرف شهريار . محبَطا خائبا ( سْحَابْ لِيَ طْمَرْتْ عَلّْتِي ) و مقابل الهزيمة يعلن هو نفسه انتصار خربوشة / المرأة الرمز ( وَانَا خَلِّيتْهَا قْبَرْ فَ التَّارِيخْ ) .
خلُد بن عيسى كذكورة ظالمة متسلطة . مقابل خلود خربوشة ، المرأة الرمز العنيدة الرافضة .
هي نهاية المشهد الثالث ، لكن الحكاية لم تنته بعد .
*******
الدفقة الرابعة ( المشهد الرابع )
" سَاوِي مِيزَانَكْ أَ زَوْاَلَة
سَمّْعِينِي " قُيَادْ مَدْيُونَة لِّي زَادُو مَا بِيَا "
تْشَوَّطْ الْڭَلْبْ
و تْجَمّْعَاتْ الْغِيرَة حْمِيَّة
رَابْحَة وْ مَا دَارْ فِيكْ الْقَايْدْ عَقَّا
سْلَاسْلَكْ مْكَبّْلَة
و التَّارِيخْ
وْشَمْ فِيكْ ... ابْقَا
بْقَلْعَةْ عَبْدَة مَحْضِيَّة
مَرُّوتْ
دَرْتَكْ مْرِيوَدْ عَيْنِيَّ
كُحْلَكْ مْرَارَة
لَكِّيتُو بِيدِيَّ
سْوَاكَكْ قْصِيدَة عَكْرِيَّة
لُونْهَا دَمّْ نْسَا مَكْوِيَّة
مْنْ زْمَانْ السِّيبَة مَبْلِيَّة "
( سَاوِي مِيزَانَكْ أَ زَرْوَالَة ) . النداء هنا للقريب .و كأن الإيقاع الموسيقي سيقل حدة بعض الشيء عن سابقه
( زَرْوَالَة ) دائما هو الاسم الكناية عن خربوشة / الرمز ،
وهنا يختلف المطلوب ( سَمّْعِينِي) بدون صفة بعده ، لتأتي الشاعرة بحدثين تاريخيين يحتاجان لمزيد من النبش .
(سَمّْعِينِي / قُيَادْ مَديُونَة لي زَادُو ما بِيَا ) و ( رَابْحَة وْ ما دَارْ فِيكْ الْقَايْدْ عَقَّا ) و هنا تجذر الإشارة أن العيطة المغربية بكل تلويناتها و مناطقها التي امتدت إليها تختزن في شعرها كثيرا من الإحالات و الأحداث التي عرفها المغرب في فترات عديدة و منها ما اصطلح عليه ب : ( زمن السِّيبة ) تحتاج إلى تتبع و دراسة عميقة جدا .
تقدم وجهان لزمن واحد . قياد مديونة و الانتفاضة غيرة و حمية ، و نموذج القائد عقا امتدادا لقرينه بن عيسى .
لتعود الشاعرة مدفوعة بارتباطها العضوي حد الانصهار إلى منطقتها ( عَبْدَة ) ... تصدح بالألم المتوارث ، و الذي يظل أشد وطأة على المرأة . منذ طفولتها ليمتد معها ويكبر .. لا ينقطع طيلة مراحل حياتها . بل يكبر و يتسع مداه بفعل عوامل كثيرة .
و يتجسد ذلك في : ( مَرُّوتْ ) و هي النبتة الحارقة المعروفة بمرارتها ( مَرِّيوَتْ ) لتكون مرودا تكحل به عينيها. دلالة على أن الآتي هو مفعم بهذا الإحساس المؤلم الدفين . و به وحده تزين الشاعرة نظرتها للقادم من الأيام . و تضيف
( كُحْلَكْ مْرَارَة ) .
أيُّ ألَـمٍ مُستحكم هذا ؟؟؟
و أيُّ جرح غائر ممتد ؟؟؟
الشاعرة لم تختره ، كما المرأة ، لكنها ، ( لَكِّتُو بْيَدِّي )
و جدته بين يديها و بيديها أعدته كحلا لناظريها . أما السواك ، فهو نزيف لا يتوقف ( سْوَاكَكْ ، قْصِيدَة عَكْرِيَّة) استمدت لونها من دم نساء اكتوين بظلم ذاك الزمن القبيح ، زمن السيبة .
وأجزم أن امتداده لم ينقطع . لماذا ؟ هذا مجال بحوث علوم أخرى كان حريا بها الانكباب على هذا الموضوع .
و تنهي الشاعرة هذا المشهد لتنهي القصيدة بالمشهد الأخير.
*******
الدفقة الخامسة ( المشهد الخامس )
" رُومْنِي ...
يَــا زْمَانْ الْحَرْكَة ...ا
رُومْنِي ...
سَاوِي مِيزَانَكْ أَمِيلُودَة
سَمّْعِينِي عَيْطَة عَبْدِيَّة
بَڭْرَاحْ نِينَانْ دُوكْ النّْسَا
فِ ڭْدَمْ الزّْمَانْ
لَبْسُو شْرَابَلْ صَمّْ ذَهْبِيَّة
لَبْسُو الْمَحْنَة بَدْعِيَّة
غَنَّاوْهَا مَوَّالْ مَنْ فَّامّْ
عَبْدَِّة . "
تعود الشاعرة إلى البداية،ضمن استحضار مُلفت للعيطة الحصباوية في تدرجها ، و كأنها تأبى التخلص من هذا الاستحضار المؤلم و الذي أضحى جزءا منها و من المنطقة ككل ، و من التركيبة النفسية لأبنائها عموما و بناتها على وجه الخصوص حتى كتابة هذه السطور .
و بذلك تُمهد للمشهد الخامس . بنفس النداء ، لكن بشكل مغاير . و كأن الإيقاع تنخفظ حِدّته أكثر مما كان في المشهد الثاني الذي كان متوسطا و الثالث الذي كان حادا .
تعود لنفس الاسم الأول الذي بدأت به . اسم أنثى ماثلة أمامها ..نعم ولكنها امتداد لما مضى .
( سَاوِي مِيزَانَكْ أَ مِيلُودَة ) و تركز هنا على عيطة عبدية . عصبها الرئيسي ( ڭْرَاحْ نِينَانْ دُوكْ النّْسَا ) لم يمت الأنين و لم تنطفئ جذوته ... فأسبابه و مسبباته ما زالت حاضرة ، بكل صورها و إن اختلفت الأساليب و الممارسات ، لكن في العمق هو نفس الواقع .
هذا الأنين الجارح ما زال يتردد على شفاه عبدية ( غَنَّاوْهَا مَوَّالْ مَنْ فَّامْ عَبْدِيَّة )بعدما تسربلن أقمصة المحنة بكل ثقلها و وطأتها . ( لَبْسُو الْمَحْنَة بَدْعِيَّة ) .
الشاعرة تمثلت في تسلسل الأنفاس الخمسة نفس مسار العيطة بمقاطعها التي تكون غالبا ما بين الربعة و التسعة .
و هي تبدأ هادئة ليرتفع إيقاعها وصولا إلى ذروته ثم يعاود الانخفاض المتدرج حتى النهاية .
/////////////////////////////////////////////////
ملاحظة
/////////
القصيدة تحبل بالمزيد إذ و أنا أحاول أن أنهي رحلة المشاهد أشعر في قرارة نفسي أنها ما زالت تختزن الكثير ، و تمنح الكثير وانه يمكنني تمديد الرحلة لأزمنة أخرى
عبد العزيز حنان الدار البيضاء المملكة المغربية